[ الدخان : 16 ] ، أي منتقمون منهم في المستقبل وانتقمنا من قوم فرعون فيما مضى .
وأشعر قوله
قَبْلَهُمْ
أن أهل مكة سيفتنون كما فتن قوم فرعون ، فكان هذا الظرف مؤذنا بجملة محذوفة على طريقة الإيجاز ، والتقدير : إنا منتقمون ففاتنوهم فقد فتنا قبلهم قوم فرعون ، ومؤذنا بأن المذكور كالدليل على توقع ذلك وإمكانه وهو إيجاز آخر .
والمقصود تشبيه الحالة بالحالة ولكن عدل عن صوغ الكلام بصيغة التشبيه والتمثيل إلى صوغه بصيغة الإخبار اهتماما بالقصة وإظهارا بأنها في ذاتها مما يهم العلم به ، وأنها تذكير مستقل وأنها غير تابعة غيرها . ولأن جملة
وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ
عطفت على جملة
فَتَنَّا
أي ولقد جاءهم رسول كريم ، عطف مفصل على مجمل ، وإنما جاء معطوفا إذ المذكور فيه أكثر من معنى الفتنة ، فلا تكون جملة
وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ
بيانا لجملة
فَتَنَّا
بل هي تفصيل لقصة بعثة موسى عليه السلام .
والفتن : الإيقاع في اختلال الأحوال ، وتقدم في قوله تعالى :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
في سورة البقرة [ 191 ] .
والرسول الكريم : موسى ، والكريم : النفيس الفائق في صنفه ، وتقدم عند قوله تعالى :
إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
في سورة النمل [ 29 ] ، أي رسول من خيرة الرسل أو من خيرة الناس .
و
أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ
تفسير لما تضمنه وصف
رَسُولٌ
وفعل
جاءَهُمْ
من معنى الرسالة والتبليغ ففيهما معنى القول . ومعنى
أَدُّوا إِلَيَّ
ارجعوا إلي وأعطوا قال تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
[ آل عمران : 75 ] ، يقال : أدّى الشيء أوصله وأبلغه . وهمزة الفعل أصلية وهو مضاعف العين ولم يسمع منه فعل سالم غير مضاعف ، جعل بني إسرائيل كالأمانة عند فرعون على طريقة الاستعارة المكنية .
وخطاب الجمع لقوم فرعون . والمراد : فرعون ومن حضر من ملئه لعلهم يشيرون على فرعون بالحق ، ولعله إنما خاطب مجموع الملإ لمّا رأى من فرعون صلفا وتكبرا من الامتثال ، فخطاب أهل مشورته لعل فيهم من يتبصر الحق .
و
عِبادَ اللَّهِ
يجوز أن يكون مفعول
أَدُّوا
مرادا به بنو إسرائيل ، أجري وصفهم
عِبادَ اللَّهِ
تذكيرا لفرعون بموجب رفع الاستعباد عنهم ، وجاء في سورة الشعراء [ 17 ]
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ
فحصل أنّه وصفهم بالوصفين ، فوصف
عِبادَ اللَّهِ
مبطل لحسبان القبط إياهم عبيدا كما قال :
وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ
[ المؤمنون : 47 ] وإنما هم عباد