تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
أنه قال قبله
اقْتَتَلُوا
[ الحجرات : 9 ] . ولذلك جاء بعده
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
بضميري الجماعة ثم عاد فقال
فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ
. واجتلاب
إِذا
في هذا الشرط لأن شأن
إِذا
أن تدل على تحقق كثرة وقوع شرطها ، وشأن
إِنْ
أن تدل على ندرة وقوعه ، ولذلك اجتلب
إِنْ
في قوله :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
لأن إصابتهم بالسيئة نادرة بالنسبة لإصابتهم بالنعمة على حد قوله تعالى :
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ
[ الأعراف : 131 ] . ومعنى قوله :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
تقدم بسطه عند قوله آنفا
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى : 30 ] . والحكم الذي تضمنته جملة
فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ
هو المقصود من جملة الشرط كلها ، ولذلك أعيد حرف التأكيد فيها بعد أن صدّرت به الجملة المشتملة على الشرط ليحيط التأكيد بكلتا الجملتين ، وقد أفاد ذلك أن من عوارض صفة الإنسانية عروض الكفر باللّه لها ، لأن في طبع الإنسان تطلب مسالك النفع وسدّ منافذ الضر مما ينجرّ إليه من أحوال لا تدخل بعض أسبابها في مقدوره ، ومن طبعه النظر في الوسائل الواقية له بدلائل العقل الصحيح ، ولكن من طبعه تحريك خياله في تصوير قوى تخوله تلك الأسباب فإذا أملى عليه خياله وجود قوى متصرفة في النواميس الخارجة عن مقدوره خالها ضالّته المنشودة ، فركن إليها وآمن بها وغاب عنه دليل الحق ، إمّا لقصور تفكيره عن دركه وانعدام المرشد إليه ، أو لغلبة هواه الذي يملي عليه عصيان المرشدين من الأنبياء والرسل والحكماء الصالحين إذ لا يتبعهم إلا القليل من الناس ولا يهتدي بالعقل من تلقاء نفسه إلا الأقل مثل الحكماء ، فغلب على نوع الإنسان الكفر باللّه على الإيمان به كما بيناه آنفا في قوله :
وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها
. ولذلك عقب هذا الحكم على النوع بقوله :
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ
[ الشورى : 49 ] . ولم يخرج عن هذا العموم إلا الصالحون من نوع الإنسان على تفاوت بينهم في كمال الخلق وقد استفيد خروجهم من آيات كثيرة كقوله :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ التين : 4 - 6 ] . وقد شمل وصف
كَفُورٌ
ما يشمل كفران النعمة وهما متلازمان في الأكثر .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 191 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور