تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
والانحياز إلى الشيء ، فالملجأ : المكان الذي يصير إليه المرء للتوقّي فيه ، ويطلق مجازا على الناصر ، وهو المراد هنا ، أي ما لكم من شيء يقيكم من العذاب . والنكير : اسم مصدر أنكر ، أي ما لكم إنكار لما جوزيتم به ، أي لا يسعكم إلّا الاعتراف دون تنصل . [ 48 ]

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 48 ]

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ ( 48 )
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
. الفاء للتفريع على قوله :
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ
[ الشورى : 47 ] الآية ، وهو جامع لما تقدم كما علمت إذ أمر اللّه نبيئه بدعوتهم للإيمان من قوله في أول السورة
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها
[ الشورى : 7 ] ثم قوله :
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ
[ الشورى : 15 ] . وما تخلل ذلك واعترضه من تضاعيف الأمر الصريح والضمني إلى قوله :
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ
[ الشورى : 47 ] الآية ، ثم فرّع على ذلك كله إعلام الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بمقامه وعمله إن أعرض معرضون من الذين يدعوهم وبمعذرته فيما قام به وأنه غير مقصر ، وهو تعريض بتسليته على ما لاقاه منهم ، والمعنى : فإن أعرضوا بعد هذا كله فما أرسلناك حفيظا عليهم ومتكفلا بهم إذ ما عليك إلا البلاغ . وإذ قد كان ما سبق من الأمر بالتبليغ والدعوة مصدّرا بقوله أوائل السورة
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
[ الشورى : 6 ] ، لا جرم ناسب أن يفرع على تلك الأوامر بعد تمامها مثل ما قدم لها فقال :
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
. وهذا الارتباط هو نكتة الالتفات من الخطاب الذي في قوله :
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ
[ الشورى : 47 ] الآية ، إلى الغيبة في قوله هنا
فَإِنْ أَعْرَضُوا
وإلا لقيل : فإن أعرضتم . والحفيظ تقدم في صدر السورة وقوله :
فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنه دليل عليه ، وقائم مقامه ، إذ المعنى : فإن أعرضوا فلست مقصرا في دعوتهم ، ولا عليك تبعة صدّهم إذ ما أرسلناك حفيظا عليهم ، بقرينة قوله :
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
. وجملة
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
بيان لجملة
فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 188 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور