تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
المعنى : إلا أن تودّوا أقاربي تلفيق معنى عن فهم غير منظور فيه إلى الأسلوب العربي ، ولا تصح فيه رواية عمن يعتد بفهمه . أمّا كون محبة آل النبي صلى اللّه عليه وسلّم لأجل محبة ما له اتصال به خلقا من أخلاق المسلمين فحاصل من أدلة أخرى ، وتحديد حدودها مفصّل في « الشفاء » لعياض . والاستثناء منقطع لأن المودّة لأجل القرابة ليست من الجزاء على تبليغ الدعوة بالقرآن ولكنها مما تقتضيه المروءة فليس استثناؤها من عموم الأجر المنفي استثناء حقيقيا . والمعنى : لا أسألكم على التبليغ أجرا وأسألكم المودّة لأجل القربى . وإنما سألهم المودّة لأن معاملتهم إياه معاملة المودّة معينة على نشر دعوة الإسلام ، إذ تلين بتلك المعاملة شكيمتهم فيتركون مقاومته فيتمكن من تبليغ دعوة الإسلام على وجه أكمل . فصارت هذه المودة غرضا دينيا لا نفع فيه لنفس النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وفي بعض الأخبار الموضوعة في أسباب النزول أن سبب نزول هذه الآية : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لمّا قدم المدينة كانت تنوبه نوائب لا يسعها ما في يديه . فقالت الأنصار : إن هذا الرجل هداكم اللّه به فنجمع له مالا ، ففعلوا ثم أتوه به ، فنزلت . وفي رواية : أن الأنصار قالوا له يوما : أنفسنا وأموالنا لك ، فنزلت . وقيل نزل
ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ
إلى قوله :
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
[ الشورى : 23 ، 24 ] . ولأجل ذلك قال فريق : إن هذه الآيات مدنية كما تقدم في أول السورة وهي أخبار واهية . وتضمنت الآية أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم منزّه عن أن يتطلب من الناس جزاء على تبليغ الهدى إليهم فإن النبوءة أعظم مرتبة في تعليم الحقّ وهي فوق مرتبة الحكمة ، والحكماء تنزّهوا عن أخذ الأجر على تعليم الحكمة ، فإن الحكمة خير كثير والخير الكثير لا تقابله أعراض الدنيا ، ولذلك أمر اللّه رسله بالتنزّه عن طلب جزاء على التبليغ ، فقال حكاية عن نوح
وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ
[ الشعراء : 109 ] . وكذلك حكى عن هود وصالح ولوط وشعيب .
وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ
. تذييل لجملة
ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
والمعنى : وكلما عمل مؤمن حسنة زدناه حسنا من ذلك الفضل الكبير . وهذا في معنى قوله تعالى :
وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 261 ] والواو اعتراضية .