يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
الآية [ الشورى : 20 ] . وموقع جملة
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ
إلخ فسنبينه .
واللطيف : البر القوي البرّ . ويدخل في هذا كثير من النعم . فسّر عدد من المفسّرين اللطيف بواهب بعضها وإنما هو تفسير تمثيل لا يخصّ دلالة الوصف به . وفعل ( لطف ) من باب نصر يتعدى بالباء كما هنا وباللام كما في قوله :
إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ
كما تقدم في سورة يوسف [ 100 ] . وتقدم تحقيق معنى اسمه تعالى اللطيف .
وعباده عام لجميع العباد ، وهم نوع الإنسان لأنه جمع مضاف . وجملة
يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ
في موضع الحال من اسم الجلالة ، أو في موضع خبر عنه .
والرزق : إعطاء ما ينفع . وهو عندنا لا يختص بالحلال وعند المعتزلة يختص به والخلاف اصطلاح .
والظاهر : أن المراد هنا رزق الدّنيا لأن الكلام توطئة لقوله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ
[ الشورى : 20 ] .
والمشيئة : مشيئة تقدير الرّزق لكل أحد من العباد ليكون عموم اللطف للعباد باقيا ، فلا يكون قوله :
مَنْ يَشاءُ
في معنى التكرير ، إذ يصير هكذا يرزق من يشاء من عباده الملطوف بجميعهم ، وما الرزق إلا من اللطف ، فيصير بعض المعنى المفاد ، فلا جرم تعيّن أن المشيئة هنا مصروفة لمشيئة تقدير الرزق بمقاديره .
والمعنى : أنه للطفه بجميع عباده لا يترك أحدا منهم بلا رزق وأنه فضل بعضهم على بعض في الرزق جريا على مشيئته . وهذا المعنى يثير مسألة الخلاف بين أئمة أصول الدّين في نعمة الكافر ، ومن فروعها رزق الكافر . وعن الشيخ أبي الحسن الأشعري أن الكافر غير منعم عليه نعمة دنيوية لأن ملاذّ الكافر استدراج لمّا كانت مفضية إلى العذاب في الآخرة فكانت غير نعمة ، ومرادهم بالدنيوية مقابل الدينية . وكأنّ مراد الشيخ بهذا تحقيق معنى غضب اللّه على الكافرين كما جاء في آيات كثيرة ، فمراده : أن الكافر غير منعم عليه نعمة رضى وكرامة ولكنها نعمة رحمة لما له من انتساب المخلوقية للّه تعالى .
وقال أبو بكر الباقلاني : الكافر منعم عليه نعمة دنيوية . وقالت المعتزلة : هو منعم عليه نعمة دنيوية ودينية : فالدنيوية ظاهرة ، والدّينية كالقدرة على النظر المؤدي إلى معرفة اللّه .