تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
ولام التعريف في
الْكِتابَ
لتعريف الجنس ، أي إنزال الكتب وهو ينظر إلى قوله آنفا :
وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ
[ الشورى : 15 ] . والباء في
بِالْحَقِّ
للملابسة ، أي أنزل الكتب مقترنة بالحق بعيدة عن الباطل . والحق : كلّ ما يحق ، أي يجب في باب الصلاح عمله ويصح أن يفسر بالأغراض الصحيحة النافعة . و
الْمِيزانَ
حقيقته : آلة الوزن ، والوزن : تقدير ثقل جسم ، والميزان آلة ذات كفتين معتدلتين معلقتين في طرفي قضيب مستو معتدل ، له عروة في وسطه ، بحيث لا تتدلى إحدى الكفتين على الأخرى إذا أمسك القضيب من عروته . والميزان هنا مستعار للعدل والهدي بقرينة قوله
أَنْزَلَ
فإن الدّين هو المنزل والدّين يدعو إلى العدل والإنصاف في المجادلة في الدّين وفي إعطاء الحقوق ، فشبه بالميزان في تساوي رجحان كفتيه قال تعالى :
وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
[ الحديد : 25 ] . وجملة
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
معطوفة على جملة
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ
، والمناسبة هي ما ذكرناه من إيذان تلك الجملة بمقدّر . وكلمة
وَما يُدْرِيكَ
جارية مجرى المثل ، والكاف منها خطاب لغير معيّن بمعنى : قد تدري ، أي قد يدري الداري ، ف
ما
استفهامية والاستفهام مستعمل في التنبيه والتهيئة . و
يُدْرِيكَ
من الدراية بمعنى العلم . وقد علّق فعل ( يدري ) عن العمل بحرف الترجّي . وعن ابن عباس كل ما جاء فعل ( ما أدراك ) فقد أعلمه اللّه به أي بينه له عقب كلمة ( ما أدراك ) نحو
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ
[ القارعة : 10 ، 11 ] وكل ما جاء فيه
وَما يُدْرِيكَ
لم يعلمه به أي لم يعقبه بما يبين إبهامه نحو
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
[ عبس : 3 ] . ولعل معنى هذا الكلام أن الاستعمال خص كل صيغة من هاتين الصيغتين بهذا الاستعمال فتأمل . والمعنى : أي شيء يعلمك أيها السامع الساعة قريبا ، أي مقتضي علمك متوفر ، فالخطاب لغير معين ، وفي معناه قوله تعالى :
وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ
في سورة الأنعام [ 109 ] . والإخبار عن
السَّاعَةَ
ب
قَرِيبٌ
وهو غير مؤنث لأنه غلب لزوم كلمة قريب وبعيد للتذكير باعتبار شيء كقوله تعالى :
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً
[ الأحزاب :