تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
كاحتواء المنبع على مائه والمعدن على ترابه ومثله قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : 179 ] .
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
. خبر ثالث أو رابع عن الضمير في قوله :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ الشورى : 9 ] . وموقع هذه الجملة كالنتيجة للدليل فإنه لما قدم ما هو نعم عظيمة تبيّن أن اللّه لا يماثله شيء من الأشياء في تدبيره وإنعامه . ومعنى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
ليس مثله شيء ، فأقحمت كاف التشبيه على ( مثل ) وهي بمعناه لأن معنى المثل هو الشبيه ، فتعيّن أن الكاف مفيدة تأكيدا لمعنى المثل ، وهو من التأكيد اللّفظي باللّفظ المرادف من غير جنسه ، وحسّنه أن الموكّد اسم فأشبه مدخول كاف التشبيه المخالف لمعنى الكاف فلم يكن فيه الثقل الذي في قول خطام المجاشعي : وصاليات ككما يؤثفين « 1 » وإذ قد كان المثل واقعا في حيّز النفي فالكاف تأكيد لنفيه فكأنّه نفي المثل عنه تعالى بجملتين تعليما للمسلمين كيف يبطلون مماثلة الأصنام للّه تعالى . وهذا الوجه هو رأي ثعلب وابن جنّي والزجّاج والراغب وأبي البقاء وابن عطية . وجعله في « الكشاف » وجها ثانيا ، وقدّم قبله أن تكون الكاف غير مزيدة ، وأن التقدير : ليس شبيه مثله شيء والمراد : ليس شبه ذاته شيء ، فأثبت لذاته مثلا ثم نفى عن ذلك المثل أن يكون له مماثل كناية عن نفي المماثل لذات اللّه تعالى ، أي بطريق لازم اللازم لأنه إذا نفي المثل عن مثله فقد انتفى المثل عنه إذ لو كان له مثل لما استقام قولك : ليس شيء مثل مثله . وجعله من باب قول العرب : فلان قد أيفعت لداته ، أي أيفع هو فكني بإيفاع لداته عن إيفاعه . وقول رقيقة بنت صيفي « 2 » في حديث سقيا عبد المطلب « ألا وفيهم الطّيّب الطاهر لداته » ا ه . أي ويكون معهم الطيّب الطاهر يعني النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وتبعه على ذلك ابن المنير في « الانتصاف » ، وبعض العلماء يقول : هو كقولك ليس
هامش
( 1 ) رجز وقبله :لم يبق من آي بها تحيين * غير حطام ورمادي كفتين .( 2 ) هي رقيقة بقافين بصيغة التصغير بنت صيفي ( والصواب أبي صيفي ) بن هشام بن عبد المطلب .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 115 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور