تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
وهذا مسوق لتسلية الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين على تمنّيهم أن يكون النّاس كلّهم مهتدين ويكون جميعهم في الجنّة ، وبذلك تعلم أن ليس المراد : لو شاء اللّه لجعلهم أمّة واحدة في الأمرين الهدى والضلال ، لأن هذا الشقّ الثاني لا يتعلق الغرض ببيانه هنا وإن كان في نفس الأمر لو شاء اللّه لكان . فتأويل هذه الآية بما جاء في قوله تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ السجدة : 13 ] وقوله :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
[ يونس : 99 ] . وقد دلّ على ذلك الاستدراك الذي في قوله :
وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ
أي ولكن شاء مشيئة أخرى جرت على وفق حكمته ، وهي أن خلقهم قابلين للهدى والضلال بتصاريف عقولهم وأميالهم ، ومكّنهم من كسب أفعالهم وأوضح لهم طريق الخير وطريق الشر بالتكليف فكان منهم المهتدون وهم الذين شاء اللّه إدخالهم في رحمته ، ومنهم الظالمون الذين ما لهم من ولي ولا نصير . فقوله :
يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ
أحد دليلين على المعنى المستدرك إذ التقدير : ولكنه جعلهم فريقين فريقا في الجنّة وفريقا في السعير ليدخل من يشاء منهم في رحمته وهي الجنة . وأفهم ذلك أنّه يدخل منهم الفريق الآخر في عقابه ، فدلّ عليه أيضا بقوله :
وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
لأن نفي النصير كناية عن كونهم في بؤس وضر ومغلوبية بحيث يحتاجون إلى نصير لو كان لهم نصير ، فيدخل في الظالمين مشركو أهل مكّة دخولا أوليّا لأنهم سبب ورود هذا العموم . وأصل النظم : ويدخل من يشاء في غضبه ، فعدل عنه إلى ما في الآية للدلالة على أن سبب إدخالهم في غضبه هو ظلمهم ، أي شركهم
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] مع إفادة أنّهم لا يجدون وليّا يدفع عنهم غضبه ولا نصيرا يثأر لهم . وضمير ( جعلهم ) عائد إلى فريق الجنّة وفريق السعير باعتبار أفراد كل فريق . [ 9 ]

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 9 ]

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 9 )
أَمِ
للإضراب الانتقالي كما يقال : دع الاهتمام بشأنهم وإنذارهم ولنعد إلى فظاعة حالهم في اتخاذهم من دون اللّه أولياء . وتقدّر بعد
أَمِ
همزة استفهام إنكاري . فالمعنى : بل أاتخذوا من دونه أولياء ، أي أتوا منكرا لمّا اتخذوا من دونه أولياء . فضمير
اتَّخَذُوا