تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
يصلح هذا أن يكون مثلا لحال ضلال الضالين وهدى المهتدين نشأ عن قوله :
فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ
إلى قوله :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
[ الزمر : 41 ] . والمعنى : أن استمرار الضالّ على ضلاله قد يحصل بعده اهتداء وقد يوافيه أجله وهو في ضلاله فضرب المثل لذلك بنوم النائم قد تعقبه إفاقة وقد يموت النائم في نومه ، وهذا تهوين على نفس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم برجاء إيمان كثير ممن هم يومئذ في ضلال وشرك كما تحقّق ذلك . فتكون الجملة تعليلا للجملة قبلها ولها اتصال بقوله :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
إلى قوله :
فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ الزمر : 22 ] . ويجوز أن يكون انتقالا إلى استدلال على تفرد اللّه تعالى بالتصرف في الأحوال فإنه ذكر دليل التصرف بخلق الذوات ابتداء من قوله :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
إلى قوله :
فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
[ الزمر : 5 ، 6 ] ، ثم دليل التصرف بخلق أحوال ذوات وإنشاء ذوات من تلك الأحوال وذلك من قوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ
إلى قوله :
لِأُولِي الْأَلْبابِ
[ الزمر : 21 ] وأعقب كل دليل بما يظهر فيه أثره من الموعظة والعبرة والزجر عن مخالفة مقتضاه ، فانتقل هنا إلى الاستدلال بحالة عجيبة من أحوال أنفس المخلوقات وهي حالة الموت وحالة النوم . وقد أنبأ عن الاستدلال قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
، فهذا دليل للناس من أنفسهم ، قال تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
[ الذاريات : 21 ] وقال :
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ الروم : 28 ] ، فتكون الجملة استئنافا ابتدائيا للتدرج في الاستدلال ولها اتصال بجملة
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
وجملة
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ
المتقدمتين ، وعلى كلا الوجهين أفادت الآية إبراز حقيقتين عظيمتين من نواميس الحياتين النفسية والجسدية وتقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي لإفادة تخصيصه بمضمون الخبر ، أي اللّه يتوفّى لا غيره فهو قصر حقيقي لإظهار فساد أن أشركوا به آلهة لا تملك تصرفا في أحوال الناس . والتوفّي : الإماتة ، وسميت توفّيا لأن اللّه إذا أمات أحدا فقد توفّاه أجله فاللّه المتوفّي وملك الموت متوفّ أيضا لأنه مباشر التوفّي . والميت : متوفى بصيغة المفعول ، وشاع ذلك فصار التوفّي مرادفا للإماتة والوفاة مرادفة للموت بقطع النظر عن كيفية تصريف ذلك واشتقاقه من مادة الوفاء . وتقدم في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ
في سورة البقرة [ 234 ] : وقوله :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
في سورة السجدة [ 11 ] .