تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
معان مرادة من الآية فيما نرى ، على أن في هذين الوصفين إيماء إلى أن القرآن معجز ببلاغة لفظه وبإعجازه العلمي ، إذا اشتمل على علوم لم يكن للناس علم بها كما بيّناه في المقدمة العاشرة . وفي وصف
الْحَكِيمِ
إيماء إلى أنه أنزله بالحكمة وهي الشريعة
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 269 ] . وفي هذا إرشاد إلى وجود التدبر في معاني هذا الكتاب ليتوصل بذلك التدبر إلى العلم بأنه حق من عند اللّه ، قال تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصلت : 53 ] . ومعنى
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
في صفات اللّه تقدم في تفسير قوله تعالى :
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
في سورة البقرة [ 209 ] . وافتتاح جملة
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
بحرف ( إنّ ) مراعى فيه ما استعمل فيه الخبر من الامتنان . فيحمل حرف ( إنّ ) على الاهتمام بالخبر . وما أريد به من التعريض بالذين أنكروا أن يكون منزّلا من اللّه فيحمل حرف ( إنّ ) على التأكيد استعمالا للمشترك في معنييه . ولما في هذه الآية من زيادة الإعلان بصدق النبي المنزل عليه الكتاب جدير بالتأكيد لأن دليل صدقه ليس في ذاته بل هو قائم بالإعجاز الذي في القرآن وبغيره من المعجزات ، فكان مقضى التأكيد موجودا بخلاف مقتضى الحال في قوله :
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ
. فجملة
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ
تتنزل منزلة البيان لجملة
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ
. وإعادة لفظ
الْكِتابِ
للتنويه بشأنه جريا على خلاف مقتضى الظاهر بالإظهار في مقام الإضمار . وتعدية
أَنْزَلْنا
بحرف الانتهاء تقدم في قوله :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
في أول البقرة [ 4 ] . والباء في
بِالْحَقِّ
للملابسة ، وهي ظرف مستقرّ حالا من
الْكِتابَ
، أي أنزلنا إليك القرآن ملابسا للحق في جميع معانيه
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
[ فصلت : 42 ] . وفرع على المعنى الصريح من قوله :
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
أن أمر بأن يعبد اللّه مخلصا له العبادة . وفي هذا التفريع تعريض بما يناسب المعنى التعريضي في المفرّع عليه وهو أن المعرّض بهم أن يعبدوا اللّه مخلصين له الدين عليهم أن يدبّروا في المعنى المعرض به .