تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] ولا هو نظير قوله المتقدم
كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[ غافر : 63 ] . وقوله :
ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ
تكملة القيل الذي يقال لهم حين إذ الإغلال في أعناقهم . والإشارة إلى ما هم فيه من العذاب . و ( ما ) في الموضعين مصدرية ، أي ذلكم مسبب على فرحكم ومرحكم اللذين كانا لكم في الدنيا ، والأرض : مطلقة على الدنيا . والفرح : المسرة ورضى الإنسان على أحواله ، فهو انفعال نفساني . والمرح ما يظهر على الفارح من الحركات في مشيه ونظره ومعاملته مع الناس وكلامه وتكبره فهو هيئة ظاهرية . و
بِغَيْرِ الْحَقِّ
يتنازعه كل من
تَفْرَحُونَ
و
تَمْرَحُونَ
أي تفرحون بما يسركم من الباطل وتزدهون بالباطل فمن آثار فرحهم بالباطل تطاولهم على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن المرح بالباطل استهزاؤهم بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين ، قال تعالى :
وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا
فاكهين [ المطففين : 30 ، 31 ] . فالفرح كلما جاء منهيا عنه في القرآن فالمراد به هذا الصنف منه ، كقوله تعالى :
إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
[ القصص : 76 ] لا كلّ فرح ، فإن اللّه امتنّ على المؤمنين بالفرح في قوله :
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ
[ الروم : 4 ، 5 ] . وبين
تَفْرَحُونَ
و
تَمْرَحُونَ
الجناس المحرّف . وجملة
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ
يجوز أن تكون استئنافا بيانيا لأنهم لما سمعوا التقريع والتوبيخ وأيقنوا بانتفاء الشفيع ترقبوا ما ذا سيؤمر به في حقهم فقيل لهم
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ
، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من جملة
ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ
إلخ ، فإن مدلول اسم الإشارة العذاب المشاهد لهم وهو يشتمل على إدخالهم أبواب جهنم والخلود فيها . ودخول الأبواب كناية عن الكون في جهنم لأن الأبواب إنما جعلت ليسلك منها إلى البيت ونحوه . و
خالِدِينَ
حال مقدرة ، أي مقدرا خلودكم . وفرع عليه
فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
، والمخصوص بالذم محذوف لأنه يدل عليه ذكر جهنم أي فبئس مثوى المتكبرين جهنم ، ولم يتصل فعل ( بئس ) بتاء التأنيث لأن فاعله في الظاهر هو
مَثْوَى
لأن العبرة بإسناد فعل الذم والمدح إلى الاسم المذكور بعدهما ،