تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
بالجواب قبل انتهاء المقالة طمعا في أن ينفعهم الاعتذار . فجملة
قالُوا ضَلُّوا عَنَّا
معترضة في أثناء القول الذي قيل لهم ، ومعنى
ضَلُّوا
غابوا كقوله :
أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ السجدة : 10 ] أي غيبنا في التراب ، ثم عرض لهم فعلموا أن الأصنام لا تفيدهم . فأضربوا عن قولهم :
ضَلُّوا عَنَّا
وقالوا :
بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً
أي لم نكن في الدنيا ندعو شيئا يغني عنا ، فنفي دعاء شيء هنا راجع إلى نفي دعاء شيء يعتدّ به ، كما تقول : حسبت أن فلانا شيء فإذا هو ليس بشيء ، إن كنت خبرته فلم تر عنده خيرا . وفي الحديث : « سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الكهان فقال : « ليسوا بشيء » أي ليسوا بشيء معتدّ به فيما يقصدهم الناس لأجله ، وقال عباس بن مرداس :
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ * فلم أعط شيئا ولم أمنع
وتقدم عند قوله تعالى :
لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
في سورة العقود [ 68 ] ، إذ ليس المعنى على إنكار أن يكونوا عبدوا شيئا لمنافاته لقولهم :
ضَلُّوا عَنَّا
المقتضي الاعتراف الضمني بعبادتهم . وفسر كثير من المفسرين قولهم :
بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً
أنه إنكار لعبادة الأصنام بعد الاعتراف بها لاضطرابهم من الرعب فيكون من نحو قوله تعالى :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] . ويجوز أن يكون لهم في ذلك الموقف مقالان ، وهذا كله قبل أن يحشروا في النار هم وأصنامهم فإنهم يكونون متماثلين حينئذ كما قال تعالى :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
. وجملة
كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ
تذييل معترض بين أجزاء القول الذي يقال لهم . ومعنى الإشارة تعجيب من ضلالهم ، أي مثل ضلالهم ذلك يضل اللّه الكافرين . والمراد بالكافرين : عموم الكافرين ، فليس هذا من الإظهار في مقام الإضمار . والتشبيه في قوله :
كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ
يفيد تشبيه إضلال جميع الكافرين بإضلاله هؤلاء الذين يجادلون في آيات اللّه ، فتكون جملة
كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ
تذييلا ، أي مثل إضلال الذين يجادلون في آيات اللّه يضل اللّه جميع الكافرين ، فيكون إضلال هؤلاء الذين يجادلون مشبها به إضلال الكافرين كلهم ، والتشبيه كناية عن كون إضلال الذين يجادلون في آيات اللّه بلغ قوة نوعه بحيث ينظّر به كل ما خفي من أصناف الضلال ، وهو كناية عن كون مجادلة هؤلاء في آيات اللّه أشدّ الكفر . والتشبيه جار على أصله وهو إلحاق ناقص بكامل في وصف ولا يكون من قبيل