تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
النهار على طريقة المجاز العقلي وإنما المبصرون الناس في النهار ، على احتباك إذ يفهم من كليهما أن الليل ساكن أيضا ، وأن النهار خلق ليبصر الناس فيه إذ المنة بهما سواء ، فهذا من بديع الإيجاز مع ما فيه من تفنن أسلوبي الحقيقة والمجاز العقلي . ولم يعكس فيقل : جعل لكم الليل ساكنا والنهار لتبصروا فيه ، لئلا تفوت صراحة المراد من السكون كيلا يتوهم أن سكون الليل هو شدة الظلام فيه كما يقال : ليل ساج ، لقلة الأصوات فيه . وتقدم الكلام على الليل والنهار في سورة البقرة [ 164 ] عند قوله تعالى :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
، وفي مواضع أخرى . وجملة
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
اعتراض هو كالتذييل لجملة
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ
لأن الفضل يشمل جعل الليل والنهار وغير ذلك من النعم ، ولأن
النَّاسِ
يعمّ المخاطبين بقوله :
جَعَلَ لَكُمُ
وغيرهم من الناس . وتنكير
فَضْلٍ
للتعظيم لأن نعم اللّه تعالى عظيمة جليلة ولذلك قال :
لَذُو فَضْلٍ
ولم يقل : لمتفضل ، ولا لمفضل ، فعدل إلى إضافة ( ذو ) إلى
فَضْلٍ
لتأتّي التنكير المشعر بالتعظيم . وعدل عن نحو : له فضل ، إلى
لَذُو فَضْلٍ
لما يدل عليه ( ذو ) من شرف ما يضاف هو إليه . والاستدراك ب
لكِنَّ
ناشئ عن لازم
لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
لأن الشأن أن يشكر الناس ربّهم على فضله فكان أكثرهم كافرا بنعمه ، وأيّ كفر للنعمة أعظم من أن يتركوا عبادة خالقهم المتفضل عليهم ويعبدوا ما لا يملك لهم نفعا ولا ضرا . وخرج ب
أَكْثَرَ النَّاسِ
الأقلّ وهم المؤمنون فإنهم أقل
وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ
[ المائدة : 100 ] . والعدول عن ضمير ( الناس ) في قوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
إلى الاسم الظاهر ليتكرر لفظ الناس عند ذكر عدم الشكر كما ذكر عند التفضل عليهم فيسجل عليهم الكفران بوجه أصرح . وقد علمت مما تقدم وجه اختلاف المنفيّات في قوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
[ غافر : 57 ] وقوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
[ غافر : 59 ] وقوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
، فقد أتبع كل غرض أريد إثباته بما يناسب حال منكريه . [ 62 ]

[ سورة غافر ( 40 ) : آية 62 ]

ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 62 ) اتصل الكلام على دلائل التفرد بالإلهية من قوله :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ