تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
القدر أو لا ؟ وهو خلاف بيننا وبين المعتزلة . وليس في الآية حجة عليهم لأنهم تأولوا معنى
أَسْتَجِبْ لَكُمْ
، وتقدم قوله تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
الآية في سورة البقرة [ 186 ] ، وفي الإتيان بالموصول إيماء إلى التعليل . و
داخِرِينَ
حال من ضمير
سَيَدْخُلُونَ
أي أذلة ، دخر كمنع وفرح : صغر وذلّ ، وتقدم قوله :
سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ
في سورة النحل [ 48 ] . وقرأ الجمهور
سَيَدْخُلُونَ
بفتح التحتية وضم الخاء . وقرأه أبو جعفر ورويس عن يعقوب بضم التحتية وفتح الخاء على البناء للنائب ، أي سيدخلهم ملائكة العذاب جهنم . [ 61 ]

[ سورة غافر ( 40 ) : آية 61 ]

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 61 ) يجوز أن يكون اسم الجلالة بدلا من
رَبُّكُمُ
في
وَقالَ رَبُّكُمُ
[ غافر : 60 ] اتبع
رَبُّكُمُ
بالاسم العلم ليقضى بذلك حقّان : حق استحقاقه أن يطاع بمقتضى الربوبية والعبودية ، وحقّ استحقاقه الطاعة لصفات كماله التي يجمعها اسم الذات . ولذلك لم يؤت مع وصف الرب المتقدم بشيء من ذكر نعمه ولا كمالاته اجتزاء بمقتضى حق الربوبية ، وذكر مع الاسم العلم بعض إنعامه وإفضاله ثم وصف الاسم بالموصول وصلته إشارة إلى بعض صفاته ، وإيماء إلى وجه الأمر بعبادته ، وتكون الجملة استئنافا بيانيا ناشئا عن تقوية الأمر بدعائه . ويجوز أن يكون اسم الجلالة مبتدأ والموصول صفة له ويكون الخبر قوله :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
[ غافر : 64 ] ويكون جملة
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ
معترضة ، أو أن يكون اسم الجلالة مبتدأ والموصول خبرا . واعتبار الجملة مستأنفة أحسن من اعتبار اسم الجلالة بدلا لأنه أنسب بالتوقيف على سوء شكرهم ، وبمقام تعداد الدلائل وأسعد بقوله :
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً
[ غافر : 64 ] ، فتكون الجملة واقعة موقع التعليل لجملة
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
[ غافر : 60 ] ، أي تسببوا لأنفسهم بذلك العقاب لأنهم كفروا نعمة اللّه إذ جعل لهم الليل والنهار . وعلى هذه الاعتبارات كلها فقد سجلت هذه الآية على الناس تقسيمهم إلى : شاكر نعمة ، وكفورها ، كما سجلت عليهم الآية السابقة تقسيمهم إلى : مؤمن بوحدانية اللّه ، وكافر بها . وهذه الآية للتذكير بنعمة اللّه تعالى على الخلق كما اقتضاه لام التعليل في قوله :