تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
[ الأنفال : 36 ] أعيد الموصول ولم يؤت بضمير
الَّذِينَ كَفَرُوا
ليفيد تقديم الاسم على الفعل تقوّي الحكم . والجملة من تمام الغرض الذي سيقت إليه جملة
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ
[ غافر : 19 ] كما تقدم ، وكلتاهما ناظرة إلى قوله :
ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ
[ غافر : 18 ] أي أن ذلك من القضاء بالحق . وأما جملة والذين تدعون
مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ
فناظرة إلى جملة
ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ
[ غافر : 18 ] فبعد أن نفي عن أصنامهم الشفاعة ، نفي عنها القضاء بشيء ما بالحق أو بالباطل وذلك إظهار لعجزها . ولا تحسبنّ جملة والذين تدعون
مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ
مسوقة ضميمة إلى جملة :
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ
ليفيد مجموع الجملتين قصر القضاء بالحق على اللّه تعالى قصر قلب ، أي دون الأصنام ، كما أفيد القصر من ضم الجملتين في قول السموأل أو عبد الملك الحارثي :
تسيل على حد الظّبات نفوسنا * وليست على غير الظّبات تسيل
لأن المنفي عن آلهتهم أعمّ من المثبت للّه تعالى ، وليس مثل ذلك مما يضاد صيغة القصر لكفى في إفادته تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بحمله على إرادة الاختصاص في قوله :
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ
. فالمراد من قوله : والذين تدعون
مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ
التذكير بعجز الذين يدعونهم وأنهم غير أهل للإلهية ، وهذه طريقة في إثبات صفة لموصوف ثم تعقيب ذلك بإظهار نقيضه فيما يعدّ مساويا له كما في قول أمية بن أبي الصلت :
تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فصار فيما بعد أبوالا
وإلّا لما كان لعطف قوله : لا قعبان من لبن ، مناسبة . والدعاء يجوز أن يكون بمعنى النداء وأن يكون بمعنى العبادة كما تقدم آنفا . وجملة
إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
مقررة لجمل
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ
إلى قوله :
لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ
[ غافر : 19 ، 20 ] . فتوسيط ضمير الفصل مفيد للقصر وهو تعريض بأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر فكيف ينسبون إليها الإلهية ، وإثبات المبالغة في السمع والبصر للّه تعالى يقرر معنى
يَقْضِي بِالْحَقِّ
لأن العالم بكل شيء تتعلق حكمته بإرادة الباطل ولا تخطئ أحكامه بالعثار في الباطل . وتأكيد الجملة بحرف
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 175 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور