تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
بتنبيههم على ما حلّ بالأمم قبلهم لأنهم أمثالهم في الإشراك والتكذيب فلذلك يكون الاستفهام عمّا حلّ بنظرائهم تقريريا لهم بذلك . وحذفت ياء المتكلم من
عِقابِ
تخفيفا مع دلالة الكسرة عليها . [ 6 ]

[ سورة غافر ( 40 ) : آية 6 ]

وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 6 ) الواو عاطفة على جملة
فَكَيْفَ كانَ عِقابِ
[ غافر : 5 ] ، أي ومثل ذلك الحقّ حقت كلمات ربك فالمشار إليه المصدر المأخوذ من قوله : حقت كلمات ربك على نحو ما قرر غير مرة ، أولاها عند قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
في سورة البقرة [ 143 ] ، وهو يفيد أن المشبه بلغ الغاية في وجه الشبه حتى لو أراد أحد أن يشبهه لم يشبهه إلا بنفسه . ولك أن تجعل المشار إليه الأخذ المأخوذ من قوله :
فَأَخَذْتُهُمْ
[ غافر : 5 ] ، أي ومثل ذلك الأخذ الذي أخذ اللّه به قوم نوح والأحزاب من بعدهم حقت كلمات اللّه على الذين كفروا ، فعلم من تشبيه تحقق كلمات اللّه على الذين كفروا بذلك الأخذ لأن ذلك الأخذ كان تحقيقا لكلمات اللّه ، أي تصديقا لما أخبرهم به من الوعيد ، فالمراد ب
الَّذِينَ كَفَرُوا
جميع الكافرين ، فالكلام تعميم بعد تخصيص فهو تذييل لأن المراد بالأحزاب الأمم المعهودة التي ذكرت قصصها فيكون
الَّذِينَ كَفَرُوا
أعم . وبذلك يكون التشبيه في قوله :
وَكَذلِكَ حَقَّتْ
كلمات ربك جاريا على أصل التشبيه من المغايرة بين المشبه والمشبه به ، وليس هو من قبيل قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] ونظائره . ويجوز أن يكون المراد ب
الَّذِينَ كَفَرُوا
عين المراد بقوله آنفا :
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
[ غافر : 4 ] أي مثل أخذ قوم نوح والأحزاب حقت كلمات ربك على كفار قومك ، أي حقت عليهم كلمات الوعيد إذا لم يقلعوا عن كفرهم . و ( كلمات اللّه ) هي أقواله التي أوحى بها إلى الرسل بوعيد المكذبين ، و
عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
يتعلق ب
حَقَّتْ
. وقوله :
أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ
يجوز أن يكون بدلا من
كَلِمَةُ رَبِّكَ
بدلا مطابقا فيكون ضمير
أَنَّهُمْ
عائد إلى
الَّذِينَ كَفَرُوا
، أي حق عليهم أن يكونوا أصحاب النار ، وفي هذا إيماء إلى أن اللّه غير معاقب أمة الدعوة المحمدية بالاستئصال لأنه أراد أن يخرج منهم ذرية مؤمنين . ويجوز أن يكون على تقدير لام التعليل محذوفة على طريقة كثرة حذفها قبل ( أنّ ) .