تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
[ 49 ]

[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 49 ]

فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 49 ) الفاء لتفريع هذا الكلام على قوله :
وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
[ الزمر : 45 ] الآية وما بينهما اعتراض مسلسل بعضه مع بعض للمناسبات . وتفريع ما بعد الفاء على ما ذكرناه تفريع وصف بعض من غرائب أحوالهم على بعض ، وهل أغرب من فزعهم إلى اللّه وحده بالدعاء إذا مسهم الضر وقد كانوا يشمئزّون من ذكر اسمه وحده فهذا تناقض من أفعالهم وتعكيس ، فإنه تسبب حديث على حديث وليس تسببا على الوجود . وهذه النكتة هي الفارقة بين العطف بالفاء هنا وعطف نظيرها بالواو في قوله أول السورة
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ
[ الزمر : 8 ] . والمقصود بالتفريع هو قوله :
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا
، وأما ما بعده فتتميم واستطراد . وقد تقدم القول في نظير صدر هذه الآية في قوله :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ
[ الزمر : 8 ] الآية . وأن المراد بالإنسان كل مشرك فالتعريف تعريف الجنس ، والمراد جماعة من الناس وهم أهل الشرك فهو للاستغراق العرفي . والمخالفة بين الآيتين تفنن ولئلا تخلو إعادة الآية من فائدة زائدة كما هو عادة القرآن في القصص المكررة . وقوله :
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ
إِنَّما
فيه هي الكلمة المركبة من ( إنّ ) الكافة التي تصير كلمة تدل على الحصر بمنزلة ( ما ) النافية التي بعدها ( إلّا ) الاستثنائية . والمعنى : ما أوتيت الذي أوتيته من نعمة إلا لعلم منيّ بطرق اكتسابه . وتركيز ضمير الغائب في قوله :
أُوتِيتُهُ
عائد إلى
نِعْمَةً
على تأويل حكاية مقالتهم بأنها صادرة منهم في حال حضور ما بين أيديهم من أنواع النعم فهو من عود الضمير إلى ذات مشاهدة ، فالضمير بمنزلة اسم الإشارة كقوله تعالى :
بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ
[ الأحقاف : 24 ] . ومعنى
قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ
اعتقد ذلك فجرى في أقواله إذ القول على وفق الاعتقاد . و
عَلى
للتعليل ، أي لأجل علم ، أي بسبب علم . وخولف بين هذه الآية وبين آية سورة القصص [ 78 ] في قوله :
عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
فلم يذكر هنا
عِنْدِي
لأن المراد بالعلم هنا مجرد الفطنة والتدبير ، وأريد هنالك علم صوغ الذهب والفضة والكيمياء
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 108 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور