تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
لا مرحبا بغد ولا أهلا به * إن كان تفريق الأحبة في غد
وذلك كما يقولون في المدح : حبّذا ، فإذا أرادوا ذمّا قالوا : لا حبّذا . وقد جمعهما قول كنزة أمّ شملة المنقري تهجو فيه صاحبة ذي الرمة :
ألا حبّذا أهل الملإ غير أنه * إذا ذكرت ميّ فلا حبّذا هيا
ومعنى الرحب في هذا كله : السعة المجازية ، وهي الفرح ولقاء المرغوب في ذلك المكان بقرينة أن نفس السعة لا تفيد الزائد ، وإنما قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يكونوا هم وأتباعهم في مكان واحد جريا على خلق جاهليتهم من الكبرياء واحتقار الضعفاء . وجملة
إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ
خبر ثان عن اسم الإشارة ، والخبر مستعمل في التضجّر منهم ، أي أنهم مضايقوننا في مضيق النار كما أومأ إليه قولهم :
مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ
. [ 60 ]

[ سورة ص ( 38 ) : آية 60 ]

قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ ( 60 ) فسمعهم الأتباع فيقولون :
بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ
إضرابا عن كلامهم . وجيء بحكاية قولهم على طريقة المحاورات فلذلك جرّد من حرف العطف ، أي أنتم أولى بالشتم والكراهية بأن يقال : لا مرحبا بكم ، لأنكم الذين تسببتم لأنفسكم ولنا في هذا العذاب بإغرائكم إيانا على التكذيب والدوام على الكفر . و
بَلْ
للإضراب الإبطالي لردّ الشتم عليهم وأنهم أولى به منهم . وذكر ضمير المخاطبين في قوله :
أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ
للتنصل من شتمهم ، أي أنتم المشتومون ، أي أولى بالشتم منا ، وقد استفيد هذا المعنى من حرف الإبطال لا من الضمير لأن الضمير لا مفهوم له ولأن موقعه هنا لا يقتضي حصرا ولا تقوّيا لأنه مخبر عنه بجملة إنشائية ، أي أنتم يقال لكم : لا مرحبا بكم . وإذا قد كان قول : مرحبا ، إنشاء دعاء بالخير ، وكان نفيه إنشاء دعاء بضده ، كان قوله « بهم » بيانا لمن وجّه الدعاء لهم ، أي إيضاحا للسامع أن الدعاء على أصحاب الضمير المجرور بالباء فكانت الباء فيه للتبيين . قال في « الكشاف » : و « بهم » بيان لمدعوّ عليهم . وقال الهمذاني في شرحه « للكشاف » : يعني : البيان المصطلح ، كأن قائلا يقول : بمن يحصل هذا الرحب ؟ فيقول : بهم . وهذا كما في
هَيْتَ لَكَ
[ يوسف : 23 ] . يعني أن الباء فيه بمعنى لام التبيين . وهذا المعنى أغفله ابن هشام في معاني الباء . وأشار الهمذاني إلى