والغساق : سائل يسيل في جهنم ، يقال : غسق الجرح ، إذا سال منه ماء أصفر .
وأحسب أن هذا الاسم بهذا الوزن أطلقه القرآن على سائل كريه يسقونه كقوله :
بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ
[ الكهف : 29 ] . وأحسب أنه لم تكن هذه الزنة من هذه المادة معروفة عند العرب ، وبذلك يومئ كلام الراغب . وهذا سبب اختلاف المفسرين في المراد منه . والأظهر : أنه صيغ له هذا الوزن ليكون اسما لشيء يشبه ما يغسق به الجرح ، ولذلك سمّي بالمهل والصديد في آيات أخرى .
وجملة
فَلْيَذُوقُوهُ
معترضة بين اسم الإشارة والخبر عنه ، وهذا من الاعتراض المقترن بالفاء دون الواو ، والفاء فيه كالفاء في قوله :
فَبِئْسَ الْمِهادُ
[ ص : 56 ] وقد تقدمت آنفا .
وموقع الجملة كموقع قوله :
فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ
[ ص : 39 ] كما تقدم آنفا .
وقوله :
وَآخَرُ
صفة لموصوف محذوف دلت عليه الإشارة بقوله :
هذا
وضمير
فَلْيَذُوقُوهُ
ووصف آخر يدل على مغاير . وقوله :
مِنْ شَكْلِهِ
يدل على أنه مغاير له بالذات وموافق في النوع ، فحصل من ذلك أنه عذاب آخر أو مذوق آخر .
والشّكل بفتح الشين : المثل ، أي المماثل في النوع ، أي وعذاب آخر غير ذلك الذي ذاقوه من الحميم والغساق هو مثل ذلك المشار إليه أو مثل ذلك الذوق في التعذيب والألم . وأفرد ضمير
شَكْلِهِ
مع أن معاده
حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
نظرا إلى إفراد اسم الإشارة ، أو إلى إفراد ( مذوق ) المأخوذ من ( يذوقوه ) ، فقوله :
مِنْ شَكْلِهِ
صفة ل
آخَرُ
.
والأزواج : جمع زوج بمعنى النوع والجنس ، وقد تقدم عند قوله :
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
في سورة الرعد [ 3 ] .
والمعنى : وعذاب آخر هو أزواج أصناف كثيرة . ولما كان اسما شائعا في كل مغاير صحّ وصفه ب
أَزْواجٌ
بصيغة الجمع .
وقرأ الجمهور :
وَآخَرُ
بصيغة الإفراد . وقرأه أبو عمرو ويعقوب وأخر بضم الهمزة جمع أخرى على اعتبار تأنيث الموصوف ، أي وأزواج أخر من شكل ذلك العذاب .