تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
بعض السور بدون فرق أنها مقصودة للتهجّي تحدّيا لبلغاء العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن وتورّكا عليهم إذ عجزوا عنه واتفق أهل العدّ على أن
ص
ليس بآية مستقلة بل هي في مبدأ آية إلى قوله :
ذِي الذِّكْرِ
وإنما لم تعد
ص
آية لأنها حرف واحد كما لم يعد
ق
[ ق : 1 ] و
ن
[ القلم : 1 ] آية .
وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ
. الواو للقسم أقسم بالقرآن قسم تنويه به . ووصف ب
ذِي الذِّكْرِ
لأن
ذِي
تضاف إلى الأشياء الرفيعة فتجري على متصف مقصود التنويه به . و
الذِّكْرِ
: التذكير ، أي تذكير الناس بما هم عنه غافلون . ويجوز أن يراد بالذكر ذكر اللسان وهو على معنى : الذي يذكر ، بالبناء للنائب ، أي والقرآن المذكور ، أي الممدوح المستحق الثناء على أحد التفسيرين في قوله تعالى :
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ
[ الأنبياء : 10 ] أي شرفكم . وقد تردد المفسرون في تعيين جواب القسم على أقوال سبعة أو ثمانية وأحسن ما قيل فيه هنا أحد وجهين : أولهما أن يكون محذوفا دلّ عليه حرف
ص
فإن المقصود منه التحدّي بإعجاز القرآن وعجزهم عن معارضته بأنه كلام بلغتهم ومؤلّف من حروفها فكيف عجزوا عن معارضته . فالتقدير : والقرآن ذي الذكر أنه لمن عند اللّه لهذا عجزتم عن الإتيان بمثله . وثانيهما : الذي أرى أن الجواب محذوف أيضا دل عليه الإضراب الذي في قوله :
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ
[ ص : 2 ] بعد أن وصف القرآن ب
ذِي الذِّكْرِ
، لأن ذلك الوصف يشعر بأنه ذكر وموقظ للعقول فكأنه قيل : إنه لذكر ولكن الذين كفروا في عزة وشقاق يجحدون أنه ذكر ويقولون : سحر مفترى وهم يعلمون أنه حق كقوله تعالى :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[ الأنعام : 33 ] ، فجواب القسم محذوف يدل عليه السياق ، وليس حرف
ص
هو المقسم عليه مقدما على القسم ، أي ليس دليل الجواب من اللفظ بل من المعنى والسياق . والغرض من حذف جواب القسم هنا الإعراض عنه إلى ما هو أجدر بالذكر وهو صفة الذين كفروا وكذبوا القرآن عنادا أو شقاقا منهم .