تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
وتخصيص وصف
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
من بين الأوصاف الإلهية للإشارة إلى أنه عالم بالنوايا ، وأن القائل يعلم ذلك فالذي يعلم هذا لا يجترئ على اللّه بادعائه باطلا أنه أرسله إليكم ، فالإعلام بهذه الصفة هنا يشبه استعمال الخبر في لازم فائدته وهو العلم بالحكم الخبري . ويجوز أن يكون معنى :
يَقْذِفُ بِالْحَقِّ
يرسل الوحي ، أي على من يشاء من عباده كقوله تعالى :
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ غافر : 15 ] ويكون قوله
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
إشارة إلى أنه أعلم حيث يجعل رسالاته لأن المشركين كانوا يقولون : لولا أنزلت علينا الملائكة دون محمد . وارتفع
عَلَّامُ
على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هو علّام الغيوب ، أو على أنه نعت لاسم
إِنَّ
إما مقطوع ، وإما لمراعاة محل اسم
إِنَّ
حيث إنها استوفت خبرها لأن حكم الصفة حكم عطف النسق عند أكثر النحاة وهو الحق . وقال الفراء : رفع الاسم في مثل هذا هو غالب كلام العرب . ومثّله بالبدل في قوله تعالى :
إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
[ ص : 64 ] . وقرأ الجمهور
الْغُيُوبِ
بضم الغين . وقرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بكسر الغين كما جاء الوجهان في باء « بيوت » . [ 49 ]

[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 49 ]

قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ( 49 ) أعيد فعل
قُلْ
للاهتمام بالمقول كما تقدم آنفا . وجملة
قُلْ جاءَ الْحَقُّ
تأكيد لجملة
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ
[ سبأ : 48 ] فإن الحق قد جاء بنزول القرآن ودعوة الإسلام . وعطف
وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ
على
جاءَ الْحَقُّ
لأنه إذا جاء الحق انقشع الباطل من الموضع الذي حلّ فيه الحق . و
يُبْدِئُ
مضارع أبدأ بهمزة في أوله وهمزة في آخره والهمزة التي في أوله للزيادة مثل همزة : أجاء ، وأسرى . وإسناد الإبداء والإعادة إلى الباطل مجاز عقلي أو استعارة . ومعنى
ما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ
الكناية عن اضمحلاله وزواله وهو ما عبر عنه بالزهوق في قوله تعالى :
إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
في سورة الإسراء [ 81 ] . وذلك أن الموجود الذي تكون له آثار إمّا أن تكون آثاره مستأنفة أو معادة فإذا لم يكن له إبداء ولا