تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
بحرا . قيل : ومنه قول سعد بن عبادة في شأن عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول : « ولقد أجمع أهل هذه البحرة على أن يتوّجوه » . يعني بالبحرة : مدينة يثرب وفيه بعد . وكأنّ الذي دعا إلى سلوك هذا الوجه في إطلاق البحر أنه لم يعرف أنه حدث اختلال في سير الناس في البحر وقلة فيما يخرج منه . وقد ذكر أهل السير أنّ قريشا أصيبوا بقحط وأكلوا الميتة والعظام ، ولم يذكروا أنهم تعطلت أسفارهم في البحر ولا انقطعت عنهم حيتان البحر ، على أنهم ما كانوا يعرفون بالاقتيات من الحيتان . وعلى هذه الوجوه الثلاثة يكون الباء في قوله
بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
للعوض ، أي جزاء لهم بأعمالهم ، كالباء في قوله تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى : 30 ] ، ويكون اللام في قوله
لِيُذِيقَهُمْ
على حقيقة معنى التعليل . ويجوز أن يكون المراد بالفساد : الشرك قاله قتادة والسدّي فتكون هذه الآية متصلة بقوله
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ
إلى قوله :
هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ
[ الروم : 40 ] ، فتكون الجملة إتماما للاستدلال على وحدانية اللّه تعالى تنبيها على أن اللّه خلق العالم سالما من الإشراك وأن الإشراك ظهر بما كسبت أيدي الناس من صنيعهم . وهذا معنى قوله في الحديث القدسي في « صحيح مسلم » : « إني خلقت عبادي حنفاء كلّهم ، وأنهم أتتهم الشياطين فأجالتهم عن دينهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي » الحديث . فذكر البر والبحر لتعميم الجهات بمعنى : ظهر الفساد في جميع الأقطار الواقعة في البر والواقعة في الجزائر والشطوط ، ويكون الباء في قوله
بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
للسببية ، ويكون اللام في قوله
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا
لام العاقبة ، والمعنى : فأذقناهم بعض الذي عملوا ، فجعلت لام العاقبة في موضع الفاء كما في قوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] ، أي فأذقنا الذين أشركوا بعض ما استحقوه من العذاب لشركهم . ويجوز أن يكون المعنى أن اللّه تعالى خلق العالم على نظام محكم ملائم صالح للناس فأحدث الإنسان فيه أعمالا سيئة مفسدة ، فكانت وشائج لأمثالها : وهل ينبت الخطي إلا وشيجة فأخذ الاختلال يتطرق إلى نظام العالم قال تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ التين : 4 - 6 ] ،