تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
وزوجها وابنيهما عليهم الرضوان ، وزعموا أن أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لسن من أهل البيت . وهذه مصادمة للقرآن بجعل هذه الآية حشوا بين ما خوطب به أزواج النبي . وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي قصر هذا الوصف على أهل الكساء إذ ليس في قوله : « هؤلاء أهل بيتي » صيغة قصر وهو كقوله تعالى :
إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي
[ الحجر : 68 ] ليس معناه ليس لي ضيف غيرهم ، وهو يقتضي أن تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها . ويظهر أن هذا التوهم من زمن عصر التابعين ، وأن منشأه قراءة هذه الآية على الألسن دون اتصال بينها وبين ما قبلها وما بعدها . ويدل لذلك ما رواه المفسرون عن عكرمة أنه قال : من شاء بأهلية أنها نزلت في أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه قال أيضا : ليس بالذي تذهبون إليه ، إنما هو نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه كان يصرخ بذلك في السوق . وحديث عمر بن أبي سلمة صريح في أن الآية نزلت قبل أن يدعو النبي الدعوة لأهل الكساء وأنها نزلت في بيت أم سلمة . وأما ما وقع من قول عمر بن أبي سلمة : أن أم سلمة قالت : وأنا معهم يا رسول اللّه ؟ . . . فقال : « أنت على مكانك وأنت على خير » . فقد وهم فيه الشيعة فظنوا أنه منعها من أن تكون من أهل بيته ، وهذه جهالة لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنما أراد أن ما سألته من الحاصل ، لأن الآية نزلت فيها وفي ضرائرها ، فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم ، فالدعاء لها بأن يذهب اللّه عنها الرجس ويطهرها دعاء بتحصيل أمر حصل وهو مناف بآداب الدعاء كما حرره شهاب الدين القرافي في الفرق بين الدعاء المأذون فيه والدعاء الممنوع منه ، فكان جواب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تعليما لها . وقد وقع في بعض الروايات أنه قال لأم سلمة : « إنك من أزواج النبي » . وهذا أوضح في المراد بقوله : « إنك على خير » . ولما استجاب اللّه دعاءه كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يطلق أهل البيت على فاطمة وعلي وابنيهما ، فقد روى الترمذي عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول : « الصلاة يا أهل البيت
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
» ، قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه . واللام في قوله :
لِيُذْهِبَ
لام جرّ تزاد للتأكيد غالبا بعد مادتي الإرادة والأمر ، وينتصب الفعل المضارع بعدها ب ( أن ) مضمرة إضمارا واجبا ، ومنه قوله تعالى :
وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ الأنعام : 71 ] ، وقول كثير :
أريد لأنسى حبها فكأنما * تمثّل لي ليلى بكل مكان