تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
والجاهلية نسبة إلى الجاهل لأن الناس الذين عاشوا فيها كانوا جاهلين باللّه وبالشرائع ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ
في سورة آل عمران [ 154 ] . ووصفها ب
الْأُولى
وصف كاشف لأنها أولى قبل الإسلام ، وجاء الإسلام بعدها فهو كقوله تعالى :
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى
[ النجم : 50 ] ، وكقولهم : العشاء الآخرة ، وليس ثمة جاهليتان أولى وثانية . ومن المفسرين من جعلوه وصفا مقيّدا وجعلوا الجاهلية جاهليتين ، فمنهم من قال : الأولى هي ما قبل الإسلام وستكون الجاهلية أخرى بعد الإسلام يعني حين ترتفع أحكام الإسلام والعياذ باللّه . ومنهم من قال : الجاهلية الأولى هي القديمة من عهد ما قبل إبراهيم ولم يكن للنساء وازع ولا للرجال ، ووضعوا حكايات في ذلك مختلفة أو مبالغا فيها أو في عمومها ، وكل ذلك تكلف دعاهم إليه حمل الوصف على قصد التقييد .
وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
. أريد بهذه الأوامر الدوام عليها لأنهن متلبسات بمضمونها من قبل ، وليعلم الناس أن المقربين والصالحين لا ترتفع درجاتهم عند اللّه تعالى عن حق توجه التكليف عليهم . وفي هذا مقمع لبعض المتصوفين الزاعمين أن الأولياء إذا بلغوا المراتب العليا من الولاية سقطت عنهم التكاليف الشرعية . وخصّ الصلاة والزكاة بالأمر ثم جاء الأمر عاما بالطاعة لأن هاتين الطاعتين البدنية والمالية هما أصل سائر الطاعات فمن اعتنى بهما حق العناية جرّتاه إلى ما وراءهما ، قال تعالى :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
وقد بيناه في سورة العنكبوت [ 45 ] .
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
. متصل بما قبله إذ هو تعليل لما تضمنته الآيات السابقة من أمر ونهي ابتداء من قوله تعالى : يا نساء النبي
مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ
[ الأحزاب : 30 ] الآية . فإن موقع
إِنَّما
يفيد ربط ما بعدها بما قبلها لأن حرف ( إنّ ) جزء من
إِنَّما
وحرف ( إن ) من شأنه أن يغني غناء فاء التسبب كما بينه الشيخ عبد القاهر ، فالمعنى أمركن اللّه بما أمر ونهاكنّ عما نهى لأنه أراد لكنّ تخلية عن النقائص والتحلية بالكمالات . وهذا التعليل وقع معترضا بين الأوامر والنواهي المتعاطفة .