الفزع والهلع حتى كأنها لاضطرابها تتجاوز مقارّها وترتفع طالبة الخروج من الصدور فإذا بلغت الحناجر لم تستطع تجاوزها من الضيق ؛ فشبهت هيئة قلب الهلوع المرعود بهيئة قلب تجاوز موضعه وذهب متصاعدا طالبا الخروج ، فالمشبه القلب نفسه باعتبار اختلاف الهيئتين . وليس الكلام على الحقيقة ، فإن القلوب لا تتجاوز مكانها ، وقريب منه قولهم :
تنفّس الصعداء ، وبلغت الروح التراقي .
وجملة
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا
يجوز أن تكون عطفا على جملة
زاغَتِ الْأَبْصارُ
، ويجوز أن يكون الواو للحال وجيء بالفعل المضارع للدلالة على تجدد تلك الظنون بتجدد أسبابها كناية عن طول مدة هذا البلاء .
وفي صيغة المضارع معنى التعجيب من ظنونهم لإدماج العتاب بالامتنان فإن شدة الهلع الذي أزاغ الأبصار وجعل القلوب بمثل حالة أن تبلغ الحناجر ، دل على أنهم أشفقوا من أن يهزموا لما رأوا من قوة الأحزاب وضيق الحصار أو خافوا طول مدة الحرب وفناء الأنفس ، أو أشفقوا من أن تكون من الهزيمة جراءة للمشركين على المسلمين ، أو نحو ذلك من أنواع الظنون وتفاوت درجات أهلها .
والمؤمن وإن كان يثق بوعد ربه لكنه لا يأمن غضبه من جراء تقصيره ، ويخشى أن يكون النصر مرجّأ إلى زمن آخر ، فإن ما في علم اللّه وحكمته لا يحاط به .
وحذف مفعولا
تَظُنُّونَ
بدون وجود دليل يدل على تقديرهما فهو حذف لتنزيل الفعل منزلة اللازم ، ويسمى هذا الحذف عند النحاة الحذف اقتصارا ، أي : للاقتصار على نسبة فعل الظن لفاعله ، والمقصود من هذا التنزيل أن تذهب نفس السامع كل مذهب ممكن ، وهو حذف مستعمل كثيرا في الكلام الفصيح وعلى جوازه أكثر النحويين ومنه قوله تعالى :
أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى
[ النجم : 35 ] وقوله :
وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ
[ الفتح : 12 ] ، وقول المثل : من يسمع يخل ، ومنعه سيبويه والأخفش .
وضمّن
تَظُنُّونَ
معنى تلحقون ، فعدي بالباء فالباء للملابسة . قال سيبويه : قولهم : ظننت به ، معناه : جعلته موضع ظنّي . وليست الباء هنا بمنزلتها في
كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً *
[ النساء : 6 ] ، أي :
ليست زائدة ، ومجرورها معمول للفعل قبلها كأنك قلت : ظننت في الدار ، ومثله : شككت فيه ، أي : فالباء عنده بمعنى ( في ) . والوجه أنها للملابسة كقول دريد بن الصّمّة :
فقلت لهم : ظنوا بألفي مدجج * سراتهم في الفارسي المسرد
وسيأتي تفصيل ذلك عند قوله تعالى
فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
في سورة الصافات [ 87 ] .