تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
والعاقبة : آخر الأمر من الخير والشرّ ، بخلاف العقبى فهي للخير خاصة إلا في مقام المشاكلة ، وتقدم ذكر العاقبة في قوله
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
في الأعراف [ 128 ] . وقد جمع قوله
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وعيدا على تكذيبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتجهيلا لإحالتهم الممكن ، حيث أيقنوا بأن الفرس لا يغلبون بعد انتصارهم . فهذه آثار أمم عظيمة كانت سائدة على الأرض فزال ملكهم وخلت بلادهم من سبب تغلب أمم أخرى عليهم . والمراد بالذين من قبلهم : عاد وثمود وقوم لوط وأمثالهم الذين شاهد العرب آثارهم . والمعنى : أنهم كانوا من قبلهم في مثل حالتهم من الشرك وتكذيب الرسل المرسلين إليهم ، كما دل عليه قوله عقبه
كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً
الآية .
كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
. كل أولئك كانوا أشد قوة من قريش وأكثر تعميرا في الأرض ، وكلهم جاءتهم رسل ، وكلهم كانت عاقبتهم الاستئصال ، كل هذه ما تقرّ به قريش . وجملة
كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً
بيان لجملة
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
. والشدة : صلابة جسم ، وتستعار بكثرة لقوة صفة من الأوصاف في شيء تشبيها لكمال الوصف وتمامه بالصلابة في عسر التحول . وتقدم في قوله :
وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ
في سورة النمل [ 33 ] . والقوة : حالة بها يقاوم صاحبها ما يوجب انخرامه ، فمن ذلك قوة البدن ، وقوة الخشب ، وتستعار القوة لما به تدفع العادية وتستقيم الحالة ؛ فهي مجموع صفات يكون بها بقاء الشيء على أكمل أحواله كما في قوله :
نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ
[ النمل : 33 ] فقوة الأمة مجموع ما به تدفع العوادي عن كيانها وتستبقي صلاح أحوالها من عدد حربيّة وأموال وأبناء وأزواج . وحالة مشركي قريش لا تداني أحوال تلك الأمم في القوة ، وناهيك بعاد فقد كانوا مضرب الأمثال في القوة في سائر أمورهم ، والعرب تصف الشيء العظيم في جنسه بأنه عاديّ نسبة إلى عاد . وعطف
أَثارُوا
على
كانُوا
فهو فعل مشتق من الإثارة بكسر الهمزة ، وهي تحريك أجزاء الشيء ، فالإثارة : رفع الشيء المستقر وقلبه بعد استقراره ، قال تعالى :
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً
[ الروم : 48 ] أي : تسوقه وتدفعه من مكان إلى مكان .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 20 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور