استعمال إراضته على الصلاح ، فجمع اللّه بين الحكمتين بأن جعل ثوابا للصالحين على قدر صلاحهم وعقابا للمفسدين بمقدار عملهم ، واقعا ذلك كلّه في عالم غير هذا العالم ، وأبلغ ذلك إليهم على ألسنة رسله وأنبيائه إزالة للوصمة ، وتنبيها على الحكمة ، فخاف فريق ورجا فارتكب واجتنب ، وأعرض فريق ونأى فاجترح واكتسب ، وكان من حق آثار هاته الحكم أن لا يحرم الصالح من ثوابه ، وأن لا يفوت المفسد بما به ليظهر حق أهل الكمال ومن دونهم من المراتب ، فجعل اللّه بقاء أفراد النوع في هذا العالم محدودا بآجال معينة وجعل لبقاء هذا العالم كله أجلا معينا ، حتى إذا انتهت جميع الآجال جاء يوم الجزاء على الأعمال ، وتميز أهل النقص من أهل الكمال .
فكان جعل الآجال لبقاء المخلوقات من جملة الحق الذي خلقت ملابسة له ، ولذلك نبّه عليه بخصوصه اهتماما بشأنه ، وتنبيها على مكانه ، وإظهارا أنه المقصد بكيانه ، فعطفه على الحق للاهتمام به ، كما عطف ضده على الباطل ، في قوله
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون : 115 ] فقال
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى
.
وقد مضى في سورة الأنعام [ 73 ] قوله
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ
الآية . وفائدة ذكر السماوات هنا أنّ في أحوال السماوات من شمسها وكواكبها وملائكتها ما هو من جملة الحق الذي خلقت ملابسة له ، أما ما وراء ذلك من أحوالها التي لا نعرف نسبة تعلقها بهذا العالم ، فنكل أمره إلى اللّه ونقيس غائبه على الشاهد ، فنوقن بأنه ما خلق إلا بالحق كذلك . فشواهد حقيّة البعث والجزاء بادية في دقائق خلق المخلوقات ، ولذلك أعقبه بقوله
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ
، وهذا كقوله تعالى
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون : 115 ] .
والمسمّى : المقدّر . أطلقت التسمية على التقدير ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
في سورة الحج [ 5 ] . وعند قوله تعالى
وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ
في سورة العنكبوت [ 53 ] . وجملة
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ
تذييل .
وتأكيده ب
إِنَّ
لتنزيل السامع منزلة من يشك في وجود من يجحد لقاء اللّه بعد هذا الدليل الذي مضى بله أن يكون الكافرون به كثيرا . والمراد بالكثير هنا : مشركو أهل مكة