تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
وثانيهما : تمردهم على تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أن شاهدوا معجزته فانتقل الكلام إلى نقض آرائهم في هذين السببين . والتفكر : إعمال الفكر ، أي الخاطر العقلي للاستفادة منه ، وهو التأمل في الدلالة العقلية . وقد تقدم عند قوله تعالى
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ
في سورة الأنعام [ 50 ] . والأنفس : جمع نفس . والنفس يطلق على الذات كلها ، ويطلق على باطن الإنسان ، ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي
[ المائدة : 116 ] كقول عمر يوم السقيفة : « وكنت زوّقت في نفسي مقالة » أي في عقلي وباطني . وحرف
فِي
من قوله
فِي أَنْفُسِهِمْ
يجوز أن يكون للظرفية الحقيقية الاعتبارية فيكون ظرفا لمصدر
يَتَفَكَّرُوا
، أي تفكرا مستقرا في أنفسهم . وموقع هذا الظرف مما قبله موقع معنى الصفة للتفكر . وإذ قد كان التفكر إنما يكون في النفس فذكر
فِي أَنْفُسِهِمْ
لتقوية تصوير التفكر وهو كالصفة الكاشفة لتقرر معنى التفكر عند السامع ، كقوله
وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
[ العنكبوت : 48 ] وقوله
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[ الأنعام : 38 ] ، وتكون جملة
ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
إلخ على هذا مبينة لجملة
يَتَفَكَّرُوا
إذ مدلولها هو ما يتفكرون فيه كقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ
[ الأعراف : 184 ] . ويجوز أن يكون
فِي
للظرفية المجازية متعلقة بفعل
يَتَفَكَّرُوا
تعلق المفعول بالفعل ، أي يتدبروا ويتأملوا في أنفسهم . والمراد بالأنفس الذوات فهو في معنى قوله تعالى
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
[ الذاريات : 21 ] ؛ فإن حق النظر المؤدّي إلى معرفة الوحدانية وتحقق البعث أن يبدأ بالنظر في أحوال خلقة الإنسان قال تعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون : 115 ] وهذا كقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأعراف : 185 ] أي في دلالة ملكوت السماوات والأرض ، وتكون جملة
ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
إلخ على هذا التفسير بدل اشتمال من قوله
أَنْفُسِهِمْ
إذ الكلام على حذف مضاف ، تقديره : في دلالة أنفسهم ، فإن دلالة
أَنْفُسِهِمْ
تشتمل على دلالة خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق لأن
أَنْفُسِهِمْ
مشمولة لما في الأرض من الخلق ودالة على ما في الأرض ، وكذلك يطلق ما في الأرض دال على خلق أنفسهم . وعلى الاحتمالين وقع تعليق فعل
يَتَفَكَّرُوا
عن العمل في مفعولين لوجود النفي