تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
إن في الكلام تقديما وتأخيرا وإن قوله
مِنَ الرَّهْبِ
متعلق بقوله
وَلَّى مُدْبِراً
على أن
مِنَ
حرف للتعليل ، أي أدبر لسبب الخوف ، وهذا لا ينبغي الالتفات إليه إذ لا داعي لتقديم وتأخير ما زعموه على ما فيه من طول الفصل بين فعل
وَلَّى
وبين
مِنَ الرَّهْبِ
. وقيل الجناح : اليد ، ولا يحسن أن يكون مجازا عن اليد لأنه يفضي إما إلى تكرير مفاد قوله
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
وحرف العطف مانع من احتمال التأكيد . وادعاء أن يكون التكرير لاختلاف الغرض من الأول والثاني كما في « الكشاف » بعيد ، أو يؤول بأن وضع اليد على الصدر يذهب الخوف كما عزي إلى الضحاك عن ابن عباس وإلى مجاهد وهو تأويل بعيد . وهذا ميل إلى أن الجناح مجاز مرسل مراد به يد الإنسان . وللجناح حقيقة ومجازات بين مرسل واستعارة وقد ورد في القرآن وغيره في تصاريف معانيه وليس وروده في بعض المواضع بمعنى بقاض بحمله على ذلك المعنى حيثما وقع في القرآن . ولذا فالوجه أن قوله
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ
تمثيل بحال الطائر إذا سكن عن الطيران أو عن الدفاع جعل كناية عن سكون اضطراب الخوف . ويكون من هنا للبدلية ، أي اسكن سكون الطائر بدلا من أن تطير خوفا . وهذا مأخوذ من أحد وجهين ذكرهما الزمخشري قيل : وأصله لأبي علي الفارسي . و
الرَّهْبِ
معروف أنه الخوف كقوله تعالى
يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
[ الأنبياء : 90 ] . والمعنى : انكفف عن التخوف من أمر الرسالة . وفي الكلام إيجاز وهو ما دل عليه قوله بعده
قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
[ القصص : 33 ] فقوله
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ
في معنى قوله تعالى
فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ
[ القصص : 35 ] . وقرأ الجمهور
الرَّهْبِ
بفتح الراء والهاء ، وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف بضم الراء وسكون الهاء . وقرأه حفص عن عاصم بفتح الراء وسكون الهاء وهي لغات فصيحة .
فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
. تفريع على قوله
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ
والإشارة إلى العصا وبياض اليد . والبرهان : الحجة القاطعة . و
مِنْ
للابتداء ، و
إِلى
للانتهاء المجازي أي حجتان على أن أرسل بهما إليهم .