والعبرة من سياقة هذا الجزء من القصة المفتتح بقوله تعالى
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ
إلى قوله
وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
[ القصص : 22 - 28 ] هو ما تضمنته من فضائل الأعمال ومناقب أهل الكمال وكيف هيأ اللّه تعالى موسى لتلقي الرسالة بأن قلّبه في أطوار الفضائل ، وأعظمها معاشرة رسول من رسل اللّه ومصاهرته ، وما تتضمنه من خصال المروءة والفتوة التي استكنت في نفسه من فعل المعروف ، وإغاثة الملهوف ، والرأفة بالضعيف ، والزهد ، والقناعة ، وشكر ربه على ما أسدى إليه ، ومن العفاف والرغبة في عشرة الصالحين ، والعمل لهم ، والوفاء بالعقد ، والثبات على العهد حتى كان خاتمة ذلك تشريفه بالرسالة وما تضمنته من خصال النبوءة التي أبداها شعيب من حب القرى ، وتأمين الخائف ، والرفق في المعاملة ، ليعتبر المشركون بذلك إن كان لهم اعتبار في مقايسة تلك الأحوال بأجناسها من أحوال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيهتدوا إلى أن ما عرفوه به من زكي الخصال قبل رسالته وتقويم سيرته ، وزكاء سريرته ، وإعانته على نوائب الحق ، وتزوجه بأفضل امرأة من نساء قومه ، إن هي إلا خصال فاذة فيه بين قومه وإن هي إلا بوارق لانهطال سحاب الوحي عليه . واللّه أعلم حيث يجعل رسالاته وليأتسي المسلمون بالأسوة الحسنة من أخلاق أهل النبوءة والصلاح .
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 29 ]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 )
لم يذكر القرآن أي الأجلين قضى موسى إذ لا يتعلق بتعيينه غرض في سياق القصة .
و
عن ابن عباس « قضى أوفاهما وأطيبهما إن رسول اللّه إذا قال فعل »
أي أن رسول اللّه المستقبل لا يصدر من مثله إلا الوفاء التام ، وورد ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أحاديث ضعيفة الأسانيد أنه سئل عن ذلك فأجاب بمثل ما قال ابن عباس . والأهل من إطلاقه الزوجة كما
في الحديث : « واللّه ما علمت على أهلي إلا خيرا »
. وفي سفر الخروج : أنه استأذن صهره في الذهاب إلى مصر لافتقاد أخته وآله . وبقية القصة تقدمت في سورة النمل [ 7 ] إلا زيادة قوله :
آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً
وذلك مساو لقوله هنا ( إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ) .
والجذوة مثلث الجيم ، وقرئ بالوجوه الثلاثة ، فالجمهور بكسر الجيم ، وعاصم بفتح الجيم وحمزة وخلف بضمها ، وهي العود الغيظ . قيل مطلقا وقيل المشتعل وهو الذي في « القاموس » . فإن كان الأول فوصف الجذوة بأنها من النار وصف مخصص ، وإن