تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
التوحيد وإقامة الدين . وهذا هو المعيار في وجوب الهجرة من البلد الذي يفتن فيه المسلم في دينه وتجري عليه فيه أحكام غير إسلامية . والنداء بعنوان التعريف بالإضافة لتشريف المضاف . ومصطلح القرآن أن ( عباد ) إذا أضيف إلى ضمير الجلالة فالمراد بهم المؤمنون غالبا إلا إذا قامت قرينة كقوله :
أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ
[ الفرقان : 17 ] ، وعليه فالوصف ب
الَّذِينَ آمَنُوا
لما في الموصول من الدلالة على أنهم آمنوا باللّه حقا ولكنهم فتنوا إلى حد الإكراه على إظهار الكفر . والفاء في قوله :
فَإِيَّايَ
فاء التفريع والفاء في قوله :
فَاعْبُدُونِ
إما مؤكدة للفاء الأولى للدلالة على تحقيق التفريع في الفعل وفي معموله ، أي فلا تعبدوا غيري فاعبدون ؛ وإما مؤذنة بمحذوف هو ناصب ضمير المتكلم تأكيدا للعبادة . والتقدير : وإياي اعبدوا فاعبدون ، وهو أنسب بدلالة التقديم على الاختصاص لأنه لما أفاد الأمر بتخصيصه بالعبادة كان ذكر الفاء علامة تقدير على تقدير فعل محذوف قصد من تقديره التأكيد ، وقد تقدم في قوله تعالى :
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
في أوائل سورة البقرة [ 40 ] . وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية تخفيفا ، وللرعاية على الفاصلة . ونظائره كثيرة . [ 57 ]

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 57 ]

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 57 ) اعتراض ثان بين الجملتين المتعاطفتين قصد منها تأكيد الوعيد الذي تضمنته جملة :
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ
[ العنكبوت : 52 ] إلى آخرها ، والوعد الذي تضمنته جملة :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً
[ العنكبوت : 58 ] أي الموت مدرك جميع الأنفس ثم يرجعون إلى اللّه . وقصد منها أيضا تهوين ما يلاقيه المؤمنون من الأذى في اللّه ولو بلغ إلى الموت بالنسبة لما يترقبهم من فضل اللّه وثوابه الخالد ، وفيه إيذان بأنهم يترقبهم جهاد في سبيل اللّه . وقرأ الجمهور
تُرْجَعُونَ
بتاء الخطاب على أنه خطاب للمؤمنين في قوله :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ العنكبوت : 56 ] . وقرأه أبو بكر عن عاصم بياء الغيبة تبعا لقوله :
يَغْشاهُمُ الْعَذابُ
[ العنكبوت : 55 ] . [ 58 - 59 ]

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 58 إلى 59 ]

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 58 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 59 )