تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
قَبْلَ الْحَسَنَةِ
في سورة [ الرعد : 6 ] . والتعريف في ( العذاب ) تعريف الجنس . وحكي استعجالهم العذاب بصيغة المضارع لاستحضار حال استعجالهم لإفادة التعجيب منها كما في قوله تعالى :
يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ
[ هود : 74 ] . وقد أبطل ما قصدوه بقوله :
وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ
وذلك أن حلول العذاب ليس بيد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا جاريا على طلبهم واستبطائهم فإن اللّه هو المقدر لوقت حلوله بهم في أجل قدره بعلمه . والمسمّى أريد به المعيّن المحدود أي في علم اللّه تعالى . وقد تقدم عند قوله تعالى :
وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
في سورة الحج [ 5 ] . والمعنى : لولا الأجل المعين لحلول العذاب بهم لجاءهم العذاب عاجلا لأن كفرهم يستحق تعجيل عقابهم ولكن أراد اللّه تأخيره لحكم علمها ، منها إمهالهم ليؤمن منهم من آمن بعد الوعيد ، وليعلموا أن اللّه لا يستفزه استعجالهم العذاب لأنه حكيم لا يخالف ما قدره بحكمته ، حليم يمهل عباده . فالمعنى : لولا أجل مسمى لجاءهم العذاب في وقت طلبهم تعجيله ، ثم أنذرهم بأنه آتيهم بغتة وأن إتيانه محقق لما دل عليه لام القسم ونون التوكيد وذلك عند حلول الأجل المقدّر له . وقد حل بهم عذاب يوم بدر بغتة كما قال تعالى :
وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ
[ الأنفال : 42 ] فاستأصل صناديدهم يومئذ وسقط في أيديهم . وإذ قد كان اللّه أعد لهم عذابا أعظم من عذاب يوم بدر وهو عذاب جهنم الذي يعم جميعهم أعقب إنذارهم بعذاب يوم بدر بإنذارهم بالعذاب الأعظم . وأعيد لأجله ذكر استعجالهم بالعذاب معترضا بين المتعاطفين إيماء إلى أن ذلك جواب استعجالهم فإنهم استعجلوا العذاب فأنذروا بعذابين ، أحدهما أعجل من الآخر . وفي إعادة :
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ
تهديد وإنذار بأخذهم ، فجملة :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ
معطوفة على جملة :
وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً
فهما عذابان كما هو مقتضى ظاهر العطف . والإحاطة كناية عن عدم إفلاتهم منها . والمراد
بِالْكافِرِينَ
المستعجلون ، واستحضروا بوصف الكافرين للدلالة على أنه موجب إحاطة العذاب بهم . واستعمل اسم الفاعل في الإحاطة المستقبلة مع أن شأن اسم الفاعل أن يفيد الاتصاف في زمن الحال ، تنزيلا للمستقبل منزلة زمان الحال تنبيها على تحقيق وقوعه لصدوره عمن لا خلاف في إخباره .