تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
في هذا الشأن لا يقتضي أنهم أعلم من إبراهيم في غيره فإن لإبراهيم علم النبوءة والشريعة وسياسة الأمة ، والملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يشتغلون بغير ذلك إلا متى سخرهم اللّه لعمل . وبالأولى لا يقتضي كونهم أعلم بهذا منه أن يكونوا أفضل من إبراهيم ، فإن قول أهل الحق إن الرسل أفضل من الملائكة ، والمزية لا تقتضي الأفضلية ، ولكل فريق علم أطلعه اللّه عليه وخصه به كما خص الخضر بما لم يعلمه موسى ، وخص موسى بما لا يعلمه الخضر ، ولذلك عتب اللّه على موسى لما سئل : هل يوجد أعلم منك ؟ فقال : لا ، لأنه كان حق الجواب أن يفكر في أنواع العلم . وجملة
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ
بيان لجملة
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها
فلذلك لم تعطف عليها وفصلت ، فقد علموا بإذن اللّه أن لا ينجو إلا لوط وأهله ، أي بنتاه لا غير ويهلك الباقون حتى امرأة لوط . وفعل
كانَتْ
مستعمل في معنى تكون ، فعبر بصيغة الماضي تشبيها للفعل المحقق وقوعه بالفعل الذي مضى مثل قوله
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النحل : 1 ] ، ويجوز أن يكون مرادا به الكون في علم اللّه وتقديره ، كما في آية النمل [ 57 ]
قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ
فتكون صيغة الماضي حقيقة . وتقدم الكلام على نظير قوله
إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ
في سورة النمل . [ 33 ]

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 33 ]

وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ( 33 ) قد أشعر قوله
إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ
[ العنكبوت : 31 ] أن الملائكة يحلون بالقرية واقتضى ذلك أن يخبروا لوطا بحلولهم بالقرية ، وأنهم مرسلون من عند اللّه استجابة لطلب لوط النصر على قومه ، فكان هذا المجيء مقدرا حصوله ، فمن ثم جعل شرطا لحرف
لَمَّا
كما تقدم آنفا في قوله
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى
[ العنكبوت : 31 ] . و
أَنْ
حرف مزيد للتوكيد وأكثر ما يزاد بعد
لَمَّا
وهو يفيد تحقيق الربط بين مضمون الجملتين اللتين بعد
لَمَّا
، فهي هنا لتحقيق الربط بين مجيء الرسل ومساءة لوط بهم . ومعنى تحقيقه هنا سرعة الاقتران والتوقيت بين الشرط والجزاء تنبيها على أن الإساءة عقبت مجيئهم وفاجأته من غير ريث ، وذلك لما يعلم من عادة معاملة قومه مع الوافدين على قريتهم فلم يكون لوط عالما بأنهم ملائكة لأنهم جاءوا في صورة رجال فأريد هنا
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 165 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور