[ 2 ]
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 2 ]
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 )
الاستفهام في
أَ حَسِبَ
مستعمل في الإنكار ، أي إنكار حسبان ذلك . وحسب بمعنى ظن ، وتقدم في قوله تعالى
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
في سورة البقرة [ 214 ] .
والمراد بالناس كل الذين آمنوا ، فالقول كناية عن حصول المقول في نفس الأمر ، أي أحسب الناس وقوع تركهم لأن يقولوا آمنا ، فقوله
أَنْ يُتْرَكُوا
مفعول أول ل
حَسِبَ
.
وقوله
أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا
شبه جملة في محل المفعول الثاني وهو مجرور بلام جر محذوف مع ( أن ) حذفا مطردا ، والتقدير : أحسب الناس تركهم غير مفتونين لأجل قولهم : آمنا ، فإن أفعال الظن والعلم لا تتعدى إلى الذوات وإنما تتعدى إلى الأحوال والمعاني وكان حقها أن يكون مفعولها واحدا دالا على حالة ، ولكن جرى استعمال الكلام على أن يجعلوا لها اسم ذات مفعولا ، ثم يجعلوا ما يدل على حالة للذات مفعولا ثانيا . ولذلك قالوا : إن مفعولي أفعال القلوب ( أي العلم ونحوه ) أصلهما مبتدأ وخبر .
والترك : عدم تعهد الشيء بعد الاتصال به .
والترك هنا مستعمل في حقيقته لأن الذين آمنوا قد كانوا مخالطين للمشركين ومن زمرتهم ، فلما آمنوا اختصوا بأنفسهم وخالفوا أحوال قومهم وذلك مظنة أن يتركهم المشركون وشأنهم ، فلما أبى المشركون إلا منازعتهم طمعا في إقلاعهم عن الإيمان وقع ذلك منهم موقع المباغتة والتعجب ، وتقدم الترك المجازي في قوله تعالى
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
أوائل البقرة [ 17 ] .
و
أَنْ يَقُولُوا
في موضع نصب على نزع الخافض الذي هو لام التعليل . والتقدير :
لأجل أن يقولوا آمنا .
وجملة
وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
حال ، أي لا يحسبوا أنهم سالمون من الفتنة إذا آمنوا .
والفتن والفتون : فساد حال الناس بالعدوان والأذى في الأنفس والأموال والأهلين .
والاسم : الفتنة ، وقد تقدم عند قوله تعالى
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
في سورة البقرة [ 102 ] .
وبناء فعلي
يُتْرَكُوا
. . . و
يُفْتَنُونَ
للمجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل لظهور أن الفاعل قوم ليسوا بمؤمنين ، أي أن يتركوا خالين عن فتون الكافرين إياهم لما هو معروف من الأحداث قبيل نزولها ، ولما هو معلوم من دأب الناس أن يناصبوا العداء من خالفهم