تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
قوله تعالى
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ
[ البقرة : 198 ] . والتحقيق أن التعليل حاصل من معنى التشبيه وليس معنى مستقلا من معاني الكاف . وحذف متعلق الإحسان لتعميم ما يحسن إليه فيشمل نفسه وقومه ودوابه ومخلوقات اللّه الداخلة في دائرة التمكن من الإحسان إليها . وفي الحديث : « إن اللّه كتب الإحسان على كل شيء » فالإحسان في كل شيء بحسبه ، والإحسان لكل شيء بما يناسبه حتى الأذى المأذون فيه فبقدره ويكون بحسن القول وطلاقة الوجه وحسن اللقاء . وعطف
لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ
للتحذير من خلط الإحسان بالفساد فإن الفساد ضد الإحسان ، فالأمر بالإحسان يقتضي النهي عن الفساد وإنما نص عليه لأنه لما تعددت موارد الإحسان والإساءة فقد يغيب عن الذهن أن الإساءة إلى شيء مع الإحسان إلى أشياء يعتبر غير إحسان . والمراد بالأرض أرضهم التي هم حالّون بها ، وإذ قد كانت جزءا من الكرة الأرضية فالإفساد فيها إفساد مظروف في عموم الأرض . وقد تقدمت نظائره منها في قوله تعالى
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها
في سورة البقرة [ 205 ] . وجملة
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
علة للنهي عن الإفساد ، لأن العمل الذي لا يحبه اللّه لا يجوز لعباده عمله ، وقد كان
قارُونَ
موحّدا على دين إسرائيل ولكنه كان شاكّا في صدق مواعيد موسى وفي تشريعاته . [ 78 ]

[ سورة القصص ( 28 ) : آية 78 ]

قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) جواب عن موعظة واعظيه من قومه . وقد جاء على أسلوب حكاية المحاورات فلم يعطف وهو جواب متصلف حاول به إفحامهم وأن يقطعوا موعظتهم لأنها أمرّت بطره وازدهاءه . و
إِنَّما
هذه هي أداة الحصر المركبة من ( إنّ ) و ( ما ) الكافة مصيّرتين كلمة واحدة وهي التي حقها أن تكتب موصولة النون بميم ( ما ) . والمعنى : ما أوتيت هذا المال إلا على علم علمته . وضمير
أُوتِيتُهُ
عائد إلى ( ما ) الموصولة في قولهم
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ