تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
فدعا عليها حنظلة فأهلكها اللّه بالصواعق . وقد عبدوا الأصنام وقتلوا نبيئهم فأهلكهم اللّه . قال وهب بن منبه : خسف بهم وبديارهم . وقيل : هم قوم شعيب . وقيل : قوم كانوا مع قوم شعيب ، وقال مقاتل والسدّي : الرسّ بئر بأنطاكية ، وأصحاب الرسّ أهل أنطاكية بعث إليهم حبيب النجّار فقتلوه ورسّوه في بئر وهو المذكور في سورة يس [ 20 ]
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ
الآيات . وقيل : الرس واد في « أذربيجان » في « أرّان » يخرج من « قاليقلا » ويصب في بحيرة « جرجان » ولا أحسب أنه المراد في هذه الآية . ولعله من تشابه الأسماء يقال : كانت عليه ألف مدينة هلكت بالخسف ، وقيل غير ذلك مما هو أبعد . والقرون : الأمم فإن القرن يطلق على الأمة ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ
في أول الأنعام [ 6 ] . وفي الحديث : « خير القرون قرني ثم الذين يلونهم » الحديث . والإشارة في قوله :
بَيْنَ ذلِكَ
إلى المذكور من الأمم . ومعنى
بَيْنَ ذلِكَ
أن أمما تخللت تلك الأقوام ابتداء من قوم نوح . وفي هذه الآية إيذان بطول مدد هذه القرون وكثرتها . والتنوين في
كُلًّا
تنوين عوض عن المضاف إليه . والتقدير : وكلّهم ضربنا له الأمثال وانتصب
كُلًّا
الأول بإضمار فعل يدل عليه
ضَرَبْنا لَهُ
تقديره : خاطبنا أو حذّرنا كلّا وضربنا له الأمثال ، وانتصب
كُلًّا
الثاني بإضمار فعل يدل عليه
تَبَّرْنا
وكلاهما من قبيل الاشتغال . والتتبير : التفتيت للأجسام الصلبة كالزجاج والحديد . أطلق التتبير على الإهلاك على طريقة الاستعارة تبعية في
تَبَّرْنا
وأصلية في
تَتْبِيراً
، وتقدم في قوله تعالى :
إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ
في سورة الأعراف [ 139 ] ، وقوله :
وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً
في سورة الإسراء [ 7 ] . وانتصب
تَتْبِيراً
على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله لإفادة شدة هذا الإهلاك . ومعنى ضرب الأمثال : قولها وتبيينها وتقدم عند قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما
في سورة البقرة [ 26 ] . والمثل : النظير والمشابه ، أي بيّنا لهم الأشباه والنظائر في الخير والشر ليعرضوا