تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
سورة الحجر [ 63 ] ، وقال اللّه تعالى :
أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً
[ يونس : 24 ]
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
[ النحل : 1 ]
فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
[ الحشر : 2 ] ، بخلاف فعل المجيء إذا استعمل في مجازة فأكثر ما يستعمل في وصول الخير والوعد والنصر والشيء العظيم ، قال تعالى :
قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ
[ النساء : 174 ]
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
[ الفجر : 22 ]
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ
[ النصر : 1 ] ، وفي حديث الإسراء : « . . . مرحبا به ونعم المجيء جاء » ،
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ
[ الإسراء : 81 ] ، وقد يكون متعلق الفعل ذا وجهين باختلاف الاعتبار فيطلق كلا الفعلين نحو
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ
[ هود : 40 ] ، فإن الأمر هنا منظور فيه إلى كونه تأييدا نافعا لنوح . والتفسير : البيان والكشف عن المعنى ، وقد تقدم ما يتعلق به مفصّلا في المقدمة الأولى من مقدمات هذا الكتاب ، والمراد هنا كشف الحجة والدليل . ومعنى كونه
أَحْسَنَ
، أنه أحق في الاستدلال ، فالتفضيل للمبالغة إذ ليس في حجتهم حسن أو يراد بالحسن ما يبدو من بهرجة سفسطتهم وشبههم فيجيء الكشف عن الحق أحسن وقعا في نفوس السامعين من مغالطاتهم ، فيكون التفضيل بهذا الوجه على حقيقته ، فهذه نكتة من دقائق الاستعمال ودقائق التنزيل . [ 34 ]

[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 34 ]

الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 34 ) استئناف ابتدائي لتسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولوعيد المشركين وذمهم . والموصول واقع موقع الضمير كأنه قيل : هم يحشرون على وجوههم ، فيكون الضمير عائدا إلى الذين كفروا من قوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
[ الفرقان : 32 ] إظهارا في مقام الإضمار لتحصيل فائدة أن أصحاب الضمير ثبت لهم مضمون الصلة ، وليبنى على الصلة موقع اسم الإشارة ، ومقتضى ظاهر النظم أن يقال : ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ، هم شرّ مكانا وأضل سبيلا ، ونحشرهم على وجوههم إلى جهنم ، كما قال في سورة الإسراء [ 97 ]
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ
عقب قوله :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء : 94 ] ويعلم من السياق بطريق التعريض أن الذين يحشرون على وجوههم هم الذين يأتون بالأمثال تكذيبا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وإذ كان قصدهم مما يأتون به من
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 48 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور