تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
مخالف لحال نزول التوراة والإنجيل . فهذا نفي تمثيل حال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بحال الرّسل الأسبقين في زعمهم . ويدخل في هذا النوع ما يزعمون أنه تقتضيه النبوءة من المكانة عند اللّه أن يسأله ، فيجاب إليه كقولهم :
لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها
[ الفرقان : 7 ، 8 ] . وصيغة المضارع في قوله :
لا يَأْتُونَكَ
تشمل ما عسى أن يأتوا به من هذا النوع كقولهم :
أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً
[ الإسراء : 92 ] . والاستثناء في قوله :
إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ
استثناء من أحوال عامة يقتضيها عموم الأمثال لأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال . وجملة
جِئْناكَ
حالية كما تقدم في قوله :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ
[ الفرقان : 20 ] . وقوله
جِئْناكَ بِالْحَقِّ
مقابل قوله :
لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ
وهو مجيء مجازي . ومقابلة
جِئْناكَ بِالْحَقِّ
لقوله :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ
إشارة إلى أن ما يأتون به باطل . مثال ذلك أن قولهم :
ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 7 ] ، أبطله قوله :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 20 ] . والتعبير في جانب ما يؤيده اللّه من الحجة ب
جِئْناكَ
دون : أتيناك ، كما عبر عمّا يجيئون به ب
يَأْتُونَكَ
إما لمجرد التفنن ، وإما لأن فعل الإتيان إذا استعمل مجازا كثر فيما يسوء وما يكره ، كالوعيد والهجاء ، قال شقيق بن شريك الأسدي :
أتاني من أبي أنس وعيد * فسلّ لغيظة الضّحّاك جسمي
وقول النابغة : أتاني - أبيت اللعن - أنك لمتني وقوله :
فليأتينك قصائد وليدفعن * جيشا إليك قوادم الأكوار
يريد قصائد الهجاء . وقول الملائكة للوط
وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ
[ الحجر : 64 ] أي عذاب قومه ، ولذلك قالوا له في المجيء الحقيقي
بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ
. وتقدم في