وعطف الأمر بالتوكل بفاء التفريع في قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر فيكون تفريعا على :
فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
[ الشعراء : 216 ] تنبيها على المبادرة بالعوذ من شر أولئك الأعداء وتنصيصا على اتصال التوكل بقوله :
إِنِّي بَرِيءٌ
.
وقرأ الجمهور :
وَتَوَكَّلْ
بالواو وهو عطف على جواب الشرط ، أي قل : إني بريء وتوكل ، وعطفه على الجواب يقتضي تسببه على الشرط كتسبب الجواب وهو يستلزم البدار به ، فمآل القراءتين واحد وإن اختلف طريق انتزاعه .
والمعنى : فإن عصاك أهل عشيرتك فتبرأ منهم . ولما كان التبرؤ يؤذن بحدوث مجافاة وعداوة بينه وبينهم ثبّت اللّه جأش رسوله بأن لا يعبأ بهم وأن يتوكل على ربه فهو كافيه كما قال :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
[ الطلاق : 3 ] . وعلق التوكل بالاسمين
الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
وما تبعهما من الوصف بالموصول وما ذيل به من الإيماء إلى أنه يلاحظ قوله ويعلم نيته ، إشارة إلى أن التوكل على اللّه يأتي بما أومأت إليه هذه الصفات ومستتبعاتها بوصف
الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
للإشارة إلى أنه بعزته قادر على تغلبه على عدوّه الذي هو أقوى منه ، وأنه برحمته يعصمه منهم . وقد لوحظ هذان الاسمان غير مرة في هذه السورة لهذا الاعتبار كما تقدم .
والتوكل : تفويض المرء أمره إلى من يكفيه مهمه ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
في سورة آل عمران [ 159 ] .
ووصفه تعالى : ب
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ
مقصود به لازم معناه . وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمحل العناية منه لأنه يعلم توجهه إلى اللّه ويقبل ذلك منه ، فالمراد من قوله :
يَراكَ
رؤية خاصة وهي رؤية الإقبال والتقبل كقوله :
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
[ الطور : 48 ] .
والقيام : الصلاة في جوف الليل ، غلب هذا الاسم عليه في اصطلاح القرآن ، والتقلب في الساجدين هو صلاته في جماعات المسلمين في مسجده . وهذا يجمع معنى العناية بالمسلمين تبعا للعناية برسولهم ، فهذا من بركته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد جمعها هذا التركيب العجيب الإيجاز .
وفي هذه الآية ذكر صلاة الجماعة . قال مقاتل لأبي حنيفة : هل تجد الصلاة في الجماعة في القرآن ؟ فقال أبو حنيفة : لا يحضرني فتلا مقاتل هذه الآية .
وموقع
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
موقع التعليل للأمر ب
فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ