تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة » . وقال أبو مسعود الأنصاري : لما أمرنا بالصدقة كما نحامل فيصيب أحدنا المد فيتصدق به . ومما يشير إلى معنى هذه الآية قوله تعالى :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً
[ الإنسان : 8 - 10 ] الآيات . وخبر
إِنَّ
جملة
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
. وافتتح باسم الإشارة لزيادة تمييزهم للسامعين لأن مثلهم أحرياء بأن يعرفوا . وتقدم الكلام على معنى
يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
آنفا . ومعنى
وَهُمْ لَها سابِقُونَ
أنهم يتنافسون في الإكثار من أعمال الخير ، فالسبق تمثيل للتنافس والتفاوت في الإكثار من الخيرات بحال السابق إلى الغاية ، أو المعنى وهم محرزون لما حرصوا عليهم ، فالسبق مجاز لإحراز المطلوب لأن الإحراز من لوازم السبق . وعلى التقديرين فاللام بمعنى ( إلى ) . وقد قيل إن فعل السبق يتعدى باللام كما يتعدى ب ( إلى ) . وتقديم المجرور للاهتمام ولرعاية الفاصلة . [ 62 ]

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 62 ]

وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 62 ) تذييل لما تقدم من أحوال الذين من خشية ربهم مشفقون . لأنه لما ذكر ما اقتضى مخالفة المشركين لما أمروا به من توحيد الدين ، وذكر بعده ما دل على تقوى المؤمنين بالخشية وصحة الإيمان والبذل ومسارعتهم في الخيرات ، ذيل ذلك بأن اللّه ما طلب من الذين تقطعوا أمرهم إلا تكليفا لا يشق عليهم ، وبأن اللّه عذر من المؤمنين من لم يبلغوا مبلغ من يفوتهم في الأعمال عذرا يقتضي اعتبار أجرهم على ما فاتهم إذا بذلوا غاية وسعهم . قال تعالى
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ
[ التوبة : 91 ] . فقوله :
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
خبر مراد منه لازمه وهو تسجيل التقصير على الذين تقطعوا أمرهم بينهم . وقطع معذرتهم ، وتيسير الاعتذار على الذين هم من خشية ربهم مشفقون كقوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
[ البقرة : 185 ] مع ما في ذلك من جبر
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 64 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور