تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
وقد بسطنا القول في معنى
تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ
في سورة الأنبياء [ 93 ] . والأمر هنا بمعنى الشأن والحال وما صدقه أمور دينهم . والزبر بضم الزاي وضم الموحدة كما قرأ به الجمهور جمع زبور وهو الكتاب . استعير اسم الكتاب للدين لأن شأن الدين أن يكون لأهله كتاب ، فيظهر أنها استعارة تهكمية إذ لم يكن لكل فريق كتاب ولكنهم اتخذوا لأنفسهم أديانا وعقائد لو سجلت لكانت زبرا . وقرأه أبو عمرو بخلاف عنه
زُبُراً
بضم الزاء وفتح الموحدة وهو جمع زبرة بمعنى قطعة . وجملة
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
تذييل لما قبله لأن التقطع يقتضي التحزب فذيل بأن كل فريق منهم فرح بدينه ، ففي الكلام صفة محذوفة ل
حِزْبٍ
، أي كل حزب منهم ، بدلالة المقام . والفرح : شدة المسرة ، أي راضون جذلون بأنهم اتخذوا طريقتهم في الدين . والمعنى : أنهم فرحون بدينهم عن غير دليل ولا تبصر بل لمجرد العكوف على المعتاد . وذلك يومئ إليه
لَدَيْهِمْ
المقتضي أنه متقرر بينهم من قبل ، أي بالدين الذي هو لديهم فهم لا يرضون على من خالفهم ويعادونه ، وذلك يفضي إلى التفريق والتخاذل بين الأمة الواحدة وهو خلاف مراد اللّه ولذلك ذيل به قوله
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
[ المؤمنون : 52 ] . وقديما كان التحزب مسببا لسقوط الأديان والأمم وهو من دعوة الشيطان التي يلبس فيها الباطل في صورة الحق . والحزب : الجماعة المجتمعون على أمر من اعتقاد أو عمل ، أو المتفقون عليه . [ 54 ]

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 54 ]

فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) انتقال بالكلام إلى خطاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وضمير الجمع عائد إلى معروف من السياق وهم مشركو قريش فإنهم من جملة الأحزاب الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا ، أو هم عينهم : فمنهم من اتخذ إلهه العزى . ومنهم من اتخذ مناة ، ومنهم من اتخذ ذا الخلصة إلى غير ذلك . والكلام ظاهره المتاركة ، والمقصود منه الإملاء لهم وإنذارهم بما يستقبلهم من سوء
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 60 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور