وتآمر عند الانصراف خفية يلوذ بعضهم ببعض لأن الذي ستر الخارج حتى يخرج هو بمنزلة من لاذ به أيضا فجعل حصول فعله مع فعل اللائذ كأنه مفاعلة من اللوذ .
وانتصب
لِواذاً
على الحال لأنه في تأويل اسم الفاعل .
و
مِنْكُمْ
متعلق ب
يَتَسَلَّلُونَ
. وضمير
مِنْكُمْ
خطاب للمؤمنين ، أي قد علم اللّه الذين يخرجون من جماعتكم متسلّلين ملاوذين .
وفرع على ما تضمنته جملة :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً
تحذير من مخالفة ما نهى اللّه عنه بقوله :
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ
الآية بعد التنبيه على أنه تعالى مطلع على تسللهم .
والمخالفة : المغايرة في الطريق التي يمشي فيها بأن يمشي الواحد في طريق غير الطريق الذي مشى فيه الآخر ، ففعلها متعدّ . وقد حذف مفعوله هنا لظهور أن المراد الذين يخالفون اللّه ، وتعدية فعل المخالفة بحرف ( عن ) لأنّه ضمّن معنى الصدود كما عدّي ب ( إلى ) في قوله تعالى :
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
لما ضمن معنى الذهاب .
يقال خالفه إلى الماء ، إذا ذهب إليه دونه ، ولو تركت تعديته بحرف جر لأفاد أصل المخالفة في الغرض المسوق له الكلام .
وضمير
عَنْ أَمْرِهِ
عائد إلى اللّه تعالى . والأمر هو ما تضمنه قوله :
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
فإن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده فكأنه قال : اجعلوا لدعاء الرسول الامتثال في العلانية والسر . وهذا كقول ابن أبي ربيعة .
فقلن لها سرا فديناك لا يرح * صحيحا وإن لم تقتليه فألمم
فجعل قولهن : « لا يرح صحيحا » وهو نهي في معنى : اقتليه ، فبنى عليه قوله : « وإن لم تقتليه فألمم » .
والحذر : تجنب الشيء المخيف . والفتنة : اضطراب حال الناس ، وقد تقدمت عند قوله تعالى :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
في البقرة [ 191 ] . والعذاب الأليم هنا عذاب الدنيا ، وهو عذاب القتل .
[ 64 ]
[ سورة النور ( 24 ) : آية 64 ]
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 64 )