مناداته كما يدعو بعضهم بعضا في اللفظ أو في الهيئة . فأما في اللفظ فبأن لا يقولوا : يا محمد ، أو يا ابن عبد اللّه ، أو يا ابن عبد المطلب ، ولكن يا رسول اللّه ، أو يا نبيء اللّه ، أو بكنيته يا أبا القاسم . وأما في الهيئة فبأن لا يدعوه من وراء الحجرات ، وأن لا يلحوا في دعائه إذا لم يخرج إليهم ، كما جاء في سورة الحجرات . لأن ذلك كله من الجلافة التي لا تليق بعظمة قدر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . فهذا أدب للمسلمين وسدّ لأبواب الأذى عن المنافقين . وإذ كانت الآية تحتمل ألفاظها هذا المعنى صح للمتدبر أن ينتزع هذا المعنى منها إذ يكفي أن يأخذ من لاح له معنى ما لاح له .
و
بَيْنَكُمْ
ظرف إما لغو متعلق ب
تَجْعَلُوا
، أو مستقرّ صفة ل
دُعاءَ
، أي دعاءه في كلامكم . وفائدة ذكره على كلا الوجهين التعريض بالمنافقين الذين تمالئوا بينهم على التخلف عن رسول اللّه إذا دعاهم كلما وجدوا لذلك سبيلا كما أشار إليه قوله تعالى :
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
[ التوبة : 120 ] .
فالمعنى . لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كما جعل المنافقون بينهم وتواطئوا على ذلك .
وهذه الجملة معترضة بين جملة :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ النور :
62 ] وما تبعها وبين جملة :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً
.
وجملة :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً
استئناف تهديد للذين كانوا سبب نزول آية
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ النور : 62 ] الآية ، أي أولئك المؤمنون وضدهم المعرض بهم ليسوا بمؤمنين . وقد علمهم اللّه وأطلع على تسللهم .
( وقد ) لتحقيق الخبر لأنهم يظنون أنهم إذا تسللوا متستّرين لم يطلع عليهم النبي فأعلمهم اللّه أنه علمهم ، أي أنه أعلم رسوله بذلك .
ودخول ( قد ) على المضارع يأتي للتكثير كثيرا لأن ( قد ) فيه بمنزلة ( رب ) تستعمل في التكثير ، ومنه قوله تعالى :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ
[ الأحزاب : 18 ] وقول زهير :
أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله * ولكنه قد يهلك المال نائله
و
الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ
هم المنافقون . والتسلل : الانسلال من صبرة ، أي الخروج منه بخفية خروجا كأنه سلّ شيء من شيء . يقال : تسلل ، أي تكلف الانسلال مثل ما يقال :
تدخل إذا تكلف إدخال نفسه .
واللواذ : مصدر لاوذه ، إذا لاذ به ولاذ به الآخر . شبه تستر بعضهم ببعض عن اتفاق