تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
النَّاسُ
خصوص المشركين . وقرأه يعقوب - بياء الغيبة - على أن يقصد ب
يا أَيُّهَا النَّاسُ
جميع الناس وأنّهم علموا بحال فريق منهم وهم أهل الشرك . والتقدير : إن الذين يدعون هم فريق منكم . والذّباب : اسم جمع ذبابة ، وهي حشرة طائرة معروفة ، وتجمع على ذبّان - بكسر الذال وتشديد النون - ولا يقال في العربية للواحدة ذبّانة . وذكر الذّباب لأنه من أحقر المخلوقات التي فيها الحياة المشاهدة . وأما ما في الحديث في المصورين قال اللّه تعالى : « فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة » فهو في سياق التعجيز لأنّ الحبّة لا حياة فيها والذرة فيها حياة ضعيفة . وموقع
لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ
موقع الحال ، والواو واو الحال ، و ( لو ) فيه وصلية . وقد تقدّم بيان حقيقتها عند قوله :
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ
في [ سورة آل عمران : 91 ] . أي لن يستطيعوا ذلك الخلق وهم مفترقون ، بل ولو اجتمعوا من مفترق القبائل وتعاونوا على خلق الذباب لن يخلقوه . والاستنقاذ : مبالغة في الإنقاذ مثل الاستحياء والاستجابة . وجملة
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
تذييل وفذلكة للغرض من التمثيل ، أي ضعف الداعي والمدعو ، إشارة إلى قوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً
إلخ ، أي ضعفتم أنتم في دعوتهم آلهة وضعفت الأصنام عن صفات الإله . وهذه الجملة كلام أرسل مثلا ، وذلك من بلاغة الكلام . [ 74 ]

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 74 ]

ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 74 ) تذييل للمثل بأن عبادتهم الأصنام مع اللّه استخفاف بحق إلهيته تعالى إذ أشركوا معه في أعظم الأوصاف أحقر الموصوفين ، وإذ استكبروا عند تلاوة آياته تعالى عليهم ، وإذ هموا بالبطش برسوله . والقدر : العظمة ، وفعل قدر يفيد أنه عامل بقدره . فالمعنى : ما عظموه حق تعظيمه إذ أشركوا معه الضعفاء العجز وهو الغالب القوي . وقد تقدّم تفسيره في قوله
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
في [ سورة الأنعام : 91 ] . وجملة
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
تعليل لمضمون الجملة قبلها ، فإن ما أشركوهم مع اللّه
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 246 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور