تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
جرم آخر من أجرامهم مع جرم عبادة الأصنام ، وهو جرم تكذيب الرسول والتكذيب بالقرآن . والآيات هي القرآن لا غيره من المعجزات لقوله
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ
. والمنكر : إما الشيء الذي تنكره الأنظار والنفوس فيكون هنا اسما ، أي دلائل كراهيتهم وغضبهم وعزمهم على السوء ، وإما مصدر ميمي بمعنى الإنكار كالمكرم بمعنى الإكرام . والمحملان آئلان إلى معنى أنهم يلوح على وجوههم الغيظ والغضب عندما يتلى عليهم القرآن ويدعون إلى الإيمان . وهذا كناية عن امتلاء نفوسهم من الإنكار والغيظ حتى تجاوز أثره بواطنهم فظهر على وجوههم . كما في قوله تعالى :
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
[ المطففين : 24 ] كناية عن وفرة نعيمهم وفرط مسرّتهم به . ولأجل هذه الكناية عدل عن التصريح بنحو : اشتدّ غيظهم ، أو يكادون يتميزون غيظا ، ونحو قوله :
قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
[ النحل : 22 ] . وتقييد الآيات بوصف البينات لتفظيع إنكارها إياها ، إذ ليس فيها ما يعذر به منكروها . والخطاب في قوله
تَعْرِفُ
لكلّ من يصلح للخطاب بدليل قوله
بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا
. والتعبير ب
الَّذِينَ كَفَرُوا
إظهار في مقام الإضمار . ومقتضى الظاهر أن يكون
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا
، أي وجوه الذين يعبدون من دون اللّه ما لم ينزّل به سلطانا ، فخولف مقتضى الظاهر للتسجيل عليهم بالإيماء إلى أن علّة ذلك هو ما يبطنونه من الكفر . والسّطوّ : البطش ، أي يقاربون أن يصولوا على الذين يتلون عليهم الآيات من شدّة الغضب والغيظ من سماع القرآن . و
بِالَّذِينَ يَتْلُونَ
يجوز أن يكون مرادا به النبي صلى اللّه عليه وسلم من إطلاق اسم الجمع على الواحد كقوله :
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ
[ الفرقان : 37 ] ، أي كذّبوا الرسول . ويجوز أن يراد به من يقرأ عليهم القرآن من المسلمين والرسول ، أما الذين سطوا عليهم من المؤمنين فلعلهم غير الذين قرءوا عليهم القرآن ، أو لعلّ السطو عليهم كان بعد نزول هذه الآية فلا إشكال في ذكر فعل المقاربة .