تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
إلى المحسوسات ليتقوى الإدراك العقلي بمشاهدة المحسوس . فهذه أصل في سنّة المؤثرات لأهل المقصد النافع . وفي تعليق فعل
يَأْتُوكَ
بضمير خطاب إبراهيم دلالة على أنه كان يحضر موسم الحجّ كل عام يبلّغ للناس التوحيد وقواعد الحنيفية . روي أن إبراهيم لما أمره اللّه بذلك اعتلى جبل أبي قيس وجعل إصبعيه في أذنيه ونادى : « إن اللّه كتب عليكم الحجّ فحجّوا » . وذلك أقصى استطاعته في امتثال الأمر بالتأذين . وقد كان إبراهيم رحّالة فلعله كان ينادي في الناس في كل مكان يحل فيه . وجملة
يَأْتُوكَ
جواب للأمر ، جعل التأذين سببا للإتيان تحقيقا لتيسير اللّه الحج على الناس . فدل جواب الأمر على أنّ اللّه ضمن له استجابة ندائه . وقوله
رِجالًا
حال من ضمير الجمع في قوله
يَأْتُوكَ
. وعطف عليه
وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ
بواو التقسيم التي بمعنى ( أو ) كقوله تعالى :
ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً
[ التحريم : 5 ] إذ معنى العطف هنا على اعتبار التوزيع بين راجل وراكب ، إذ الراكب لا يكون راجلا ولا العكس . والمقصود منه استيعاب أحوال الآتين تحقيقا للوعد بتيسير الإتيان المشار إليه بجعل إتيانهم جوابا للأمر ، أي يأتيك من لهم رواحل ومن يمشون على أرجلهم . ولكون هذه الحال أغرب قدّم قوله
رِجالًا
ثم ذكر بعده
وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ
تكملة لتعميم الأحوال إذ إتيان الناس لا يعدو أحد هذين الوصفين . و
رِجالًا
: جمع راجل وهو ضد الراكب . والضامر : قليل لحم البطن . يقال : ضمر ضمورا فهو ضامر ، وناقة ضامر أيضا . والضمور من محاسن الرواحل والخيل لأنه يعينها على السير والحركة . فالضامر هنا بمنزلة الاسم كأنه قال : وعلى كلّ راحلة . وكلمة ( كلّ ) من قوله
وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ
مستعملة في الكثرة ، أي وعلى رواحل كثيرة . وكلمة ( كلّ ) أصلها الدلالة على استغراق جنس ما تضاف إليه ويكثر استعمالها في معنى كثير مما تضاف إليه كقوله تعالى :
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
[ النمل : 23 ] أي من أكثر الأشياء التي يؤتاها أهل الملك ، وقول النابغة :
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 176 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور