تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
الدخول للكعبة قد ظلموهم باستئثارهم بمكة . وقرأ الجمهور
سَواءً
- بالرفع - على أنه مبتدأ و
الْعاكِفُ فِيهِ
فاعل سدّ مسدّ الخبر ، والجملة مفعول ثان ل
جَعَلْناهُ
. وقرأه حفص بالنصب على أنه المفعول الثاني ل
جَعَلْناهُ
. والعكوف : الملازمة . والبادي : ساكن البادية . وقوله
سَواءً
لم يبيّن الاستواء فيما ذا لظهور أنّ الاستواء فيه بصفة كونه مسجدا إنما هي في العبادة المقصودة منه ومن ملحقاته وهي : الطواف ، والسّعي ، ووقوف عرفة . وكتب
وَالْبادِ
في المصحف بدون ياء في آخره ، وقرأ ابن كثير والبادي بإثبات الياء على القياس لأنه معرف ، والقياس إثبات ياء الاسم المنقوص إذا كان معرّفا باللام ، ومحمل كتابته في المصحف بدون ياء عند أهل هذه القراءة أنّ الياء عوملت معاملة الحركات وألفات أواسط الأسماء فلم يكتبوها . وقرأه نافع بغير ياء في الوقف وأثبتها في الوصل . ومحمل كتابته على هذه القراءة بدون ياء أنه روعي فيه التخفيف في حالة الوقف لأن شأن الرسم أن يراعى فيه حالة الوقف . وقرأه الباقون بدون ياء في الحالين الوصل والوقف . والوجه فيه قصد التخفيف ومثله كثير . وليس في هذه الآية حجة لحكم امتلاك دور مكة إثباتا ولا نفيا لأنّ سياقها خاص بالمسجد الحرام دون غيره . ويلحق به ما هو من تمام مناسكه : كالمسعى ، والموقف ، والمشعر الحرام ، والجمار . وقد جرت عادة الفقهاء أن يذكروا مسألة امتلاك دور مكة عند ذكر هذه الآية على وجه الاستطراد . ولا خلاف بين المسلمين في أنّ الناس سواء في أداء المناسك بالمسجد الحرام وما يتبعه إلّا ما منعته الشريعة كطواف الحائض بالكعبة . وأما مسألة امتلاك دور مكة فللفقهاء فيها ثلاثة أقوال : فكان عمر بن الخطاب وابن عباس وغيرهما يقولون : إن القادم إلى مكة للحج له أن ينزل حيث شاء من ديارها وعلى رب المنزل أن يؤويه . وكانت دور مكة تدعى السوائب في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما . وقال مالك والشافعي : دور مكة ملك لأهلها ، ولهم الامتناع عن إسكان غيرهم ، ولهم إكراؤها للناس ، وإنما تجب المواساة عند الضرورة ، وعلى ذلك حملوا ما كان يفعله