تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
أقوالا حسنة يقولونها بينهم ، وقد ذكر بعضها في قوله تعالى :
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ يونس : 10 ] وفي قوله :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
[ الزمر : 74 ] . ويجوز أن يكون المعنى : أنهم يرشدون إلى أماكن يسمعون فيها أقوالا طيبة . وهو معنى قوله تعالى :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
[ الرعد : 24 ] . وهذا أشد مناسبة بمقابلة مما يسمعه أهل النار في قوله :
وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
[ الحج : 22 ] . وجملة
وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ
معترضة في آخر الكلام ، والواو للاعتراض ، هي كالتكملة لوصف حسن حالهم لمناسبة ذكر الهداية في قوله :
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ
، ولم يسبق مقابل لمضمون هذه الجملة بالنسبة لأحوال الكافرين وسيجيء ذكر مقابلها في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
إلى قوله :
نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
[ الحج : 25 ] وذلك من أفانين المقابلة . والمعنى : وقد هدوا إلى صراط الحميد في الدنيا ، وهو دين الإسلام ، شبه بالصراط لأنه موصل إلى رضى اللّه . والحميد من أسماء اللّه تعالى ، أي المحمود كثيرا فهو فعيل بمعنى مفعول ، فإضافة
صِراطِ
إلى اسم « اللّه » لتعريف أيّ صراط هو . ويجوز أن يكون
الْحَمِيدِ
صفة ل
صِراطِ
، أي المحمود لسالكه . فإضافة صراط إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة ، والصراط المحمود هو صراط دين اللّه . وفي هذه الجملة إيماء إلى سبب استحقاق تلك النعم أنه الهداية السابقة إلى دين اللّه في الحياة الدنيا . [ 25 ]

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 25 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 25 ) هذا مقابل قوله
وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ
[ الحج : 24 ] بالنسبة إلى أحوال المشركين إذ لم يسبق لقوله ذلك مقابل في الأحوال المذكورة في آية
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ
[ الحج : 19 ] كما تقدم . فموقع هذه الجملة الاستئناف البياني . والمعنى : كما كان سبب استحقاق المؤمنين ذلك النعيم اتّباعهم صراط اللّه كذلك كان سبب استحقاق المشركين ذلك العذاب كفرهم وصدّهم عن سبيل اللّه .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 170 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور