تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
والإصهار : الإذابة بالنار أو بحرارة الشمس ، يقال : أصهره وصهّره . وما في بطونهم : أمعاؤهم ، أي هو شديد في النفاذ إلى باطنهم . والمقامع : جمع مقمعة - بكسر الميم - بصيغة اسم آلة القمع . والقمع : الكف عن شيء بعنف . والمقمعة : السوط ، أي يضربون بسياط من حديد . ومعنى
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها
أنهم لشدة ما يغمهم ، أي يمنعهم من التنفس ، يحاولون الخروج فيعادون فيها فيحصل لهم ألم الخيبة ، ويقال لهم : ذوقوا عذاب الحريق . والحريق : النار الضخمة المنتشرة . وهذا القول إهانة لهم فإنهم قد علموا أنهم يذوقونه . [ 23 ، 24 ]

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 23 إلى 24 ]

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 23 ) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ ( 24 ) كان مقتضى الظاهر أن يكون هذا الكلام معطوفا بالواو على جملة
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ
[ الحج : 19 ] لأنه قسيم تلك الجملة في تفصيل الإجمال الذي في قوله :
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ
[ الحج : 19 ] بأن يقال : والذين آمنوا وعملوا الصالحات يدخلهم اللّه جنات . . . إلى آخره . فعدل عن ذلك الأسلوب إلى هذا النظم لاسترعاء الأسماع إلى هذا الكلام إذا جاء مبتدأ به مستقلا مفتتحا بحرف التأكيد ومتوّجا باسم الجلالة ، والبليغ لا تفوته معرفة أنّ هذا الكلام قسيم للذي قبله في تفصيل إجمال
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ
[ الحج : 19 ] لوصف حال المؤمنين المقابل لحال الذين كفروا في المكان واللباس وخطاب الكرامة . فقوله :
يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا
إلخ مقابل قوله :
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها
[ الحج : 22 ] . وقوله :
يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
يقابل قوله
يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ
[ الحج : 19 ] . وقوله :
وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ
مقابل قوله :
قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ
[ الحج : 19 ] . وقوله :
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ
مقابل قوله :
وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
[ الحج : 22 ] فإنه من القول النكد .