تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
بارزوا يوم بدر شيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة . و في « صحيح البخاري » عن علي بن أبي طالب قال : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة . قال قيس بن عبادة : وفيهم نزلت
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ
. قال : هم الذين بارزوا يوم بدر : علي ، وحمزة ، وعبيدة ، وشيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة . وليس في كلام عليّ أنّ الآية نزلت في يوم بدر ولكن ذلك مدرج من كلام قيس بن عبادة ، وعليه فهذه الآية مدنيّة فتكون
هذانِ
إشارة إلى فريقين حاضرين في أذهان المخاطبين فنزّل حضور قصتهما العجيبة في الأذهان منزلة المشاهدة حتى أعيد عليها اسم الإشارة الموضوع للمشاهد ، وهو استعمال في كلام البلغاء ، ومنه قول الأحنف بن قيس : « خرجت لأنصر هذا الرجل » يريد عليّ بن أبي طالب في قصة صفّين . والأظهر أن أبا ذر عنى بنزول الآية في هؤلاء أن أولئك النفر الستة هم أبرز مثال وأشهر فرد في هذا العموم ، فعبر بالنزول وهو يريد أنهم ممن يقصد من معنى الآية . ومثل هذا كثير في كلام المتقدمين . والاختصام على الوجه الأول حقيقي وعلى الوجه الثاني أطلق الاختصام على المبارزة مجازا مرسلا لأن الاختصام في الدين هو سبب تلك المبارزة . واسم الخصم يطلق على الواحد وعلى الجماعة إذا اتحدت خصومتهم كما في قوله تعالى :
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ
[ ص : 21 ] فلمراعاة تثنية اللفظ أتي باسم الإشارة الموضوع للمثنى ولمراعاة العدد أتي بضمير الجماعة في قوله تعالى :
اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ
. ومعنى
فِي رَبِّهِمْ
في شأنه وصفاته ، فالكلام على حذف مضاف ظاهر . وقرأ الجمهور هذان - بتخفيف النون - . وقرأه ابن كثير - بتشديد النون - وهما لغتان . والتقطيع : مبالغة القطع ، وهو فصل بعض أجزاء شيء عن بقيته . والمراد : قطع شقّة الثوب . وذلك أنّ الذي يريد اتخاذ قميص أو نحوه يقطع من شقة الثوب ما يكفي كما يريده ، فصيغت صيغة الشدة في القطع للإشارة إلى السرعة في إعداد ذلك لهم فيجعل لهم ثياب من نار . والثياب من النار ثياب محرقة للجلود وذلك من شؤون الآخرة . والحميم : الماء الشديد الحرارة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 166 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور